فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 235

... عرّفوا المجاز والحقيقة بعدّة تعاريفٍ ولكنها تؤدي الى نتيجةٍ واحدةٍ . والأكثرية على أن المجاز هو: ( إذا عدل باللفظ عن وضعه اللغوي وُصِفَ بأنّهُ مجازٌ مِن جازه إذا تعدّاه بمعنى أن الذهن إذا انتقل باللفظ الى معنىً غيرِ معناه الذي وضع له فهو مجاز ) . أمّا الحقيقة فقالوا: ( كلّ كلمة أُفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به ) .

واضحٌ أنّ ميثم ـ وهذه هي عبارته ـ حذرٌ جدًا في تعريف الحقيقة ، لأنه أدرك أن تعريف المجاز مناقض لفكرة الاعتباطية حينما حدّد أن لكلّ لفظ معنى وُضع له وإذن فلا اعتباطية . وأراد التخلص من ذلك عند تعريف الحقيقة فجعلها تظهر خلال التخاطب تخلصًا من الإقرار بوجود قيمةٍ مستقلةٍ لكلّ لفظ . وهذا هو عين ما حاول اللغويون في الغرب إبرازه من بعده بل هو جوهر ما قامت وتقوم به البنيوية الحديثة والتفكيكية الأخيرة . ولكن هنا مشكلة أخرى هي أن تغيّر الدلالة خلال التراكيب المختلفة كانت هي الظاهرة التي أثبتوا من خلالها مبدأ ظهور الدلالة بعد الاستعمال - وهي بالتالي دلالة متغيرة حسب التراكيب - وهو أيضًا مبحث اقرّوه ( تعدد المعاني للمفردة ) - فكيف يمكن بعد ذلك معرفة أيٍّ من تلكم الدلالات هو المقصود في عبارته ( أصل الاصطلاح الذي وقع به التخاطب ) ؟ . إذن فالتعريف يناقضُ المبادئ الموضوعةِ قبل المباشرة بالتطبيق الفعلي .

... وقد رضي علماء اللغة بهذه الحال - لأنّهم ظنوا أن ما أكثر الناسُ من استعماله كمعنىً للفظ هو ذلك الاصطلاح الأصلي وهو خطأ شنيع .

... وأقول أيضًا: إن ميثم قد احتاط بصورةٍ مشددةٍ في انتقاء العبارات وهو يدرك جيدًا أن المؤسسين لهذه الأفكار أعني الجرجاني والرازي وغيرهم قد ظهرت لديهم التناقضاتُ بصورةٍ مكشوفةٍ وميثم هو أكثرهم رغبةً في إحكام القضية وإن كان اقلَّهم شهرةً في المشرق والمغرب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت