طالعنا بوضوح أن سلسلة التحولات السردية أدت بالضرورة المنطقية إلى الانتقال من مشروع سردي إلى آخر، ولولا هذه الخروقات المستمرة من قبل الفواعل السردية، لما تمت هذه المشاريع بوجهها العام.
ان سلسلة الحركات الانتقالية أدت إلى سلسلة من العلاقات بين المشاريع السردية، وجعلتها تتواصل تباعا حتى نهاية الحكاية.
وفي حكاية (ابن الملك والبنات الثلاث) [1] ، المؤلفة من خمس مقطوعات سردية، فانها لا تختلف كثيرا من حيث التكنيك السردي عن سابقتها، سوى في عمليات التحويل الحركي بين الوحدات العاملية، وفي العلاقات أيضًا، اذ ان فيها فاعلا يبتغي موضوعا
محددا، وليس أمامه سوى اجتياز العواقب، بينما وجدنا في الحكاية السابقة أكثر من فاعل يتنازع موضوعا واحدا، الا انه من حيث العلاقات نجد ان الاتصال هو بداية الحكاية وخاتمتها، ففي المقطوعة السردية الأولى يقدم الراوي بوصفه (مؤتيا) موجزا أوليا يلخص فيه حكايته للمؤتى إليه (القراء أو المستمعين) اذ يعلمهم ببداية حكايته، حيث ان هناك ثلاث فتيات يتيمات وهنّ شقيقات ترك لهنّ أبوهنّ دولابا محلاجا وسربسا، وكل واحدة منهن شرعت بعمل يختلف عن الأخرى بغية تحصيل الرزق، وهنّ في اطار هذا العمل يعدن (فاعلات) و (مؤتى إليه) في آن واحد، بوصفهن المستفيدات من عملهن. وبوصفهن فاعلات فلابد ان يكون لهن (موضوع) . وموضوعهن يمكن تلخيصه بثلاث أمنيات وهمية وهي:
1.قالت احداهن: (لو تزوجني ابن الملك لصنعت له بساطا عظيما يجلس عليه هو وعسكره جميعا) .
2.وقالت الأخرى: (لو تزوجني ابن الملك لخبزت رغيفا واحدا من الخبز يشبعه ويشبع عسكره جميعا) .
3.وقالت الثالثة: (لو تزوجني ابن الملك لجئت له بقطعة من ذهب وقطعة من فضة) .
وباستثناء الأمنية الأخيرة القابلة للتحقيق عبر التأويل، فان الأمنيتين الأوليتين لا يمكن تحقيقهما كونهما ضربا من الخيال، وكان من حسن حظ الفتيات أن سمع ابن الملك حديثهن، والذي ساعده على سماع حديثهن هو ضوء السراج الذي رآه من بعيد.
في المقطوعة الثانية نطالع عملية الاختبار من قبل ابن الملك للفتيات الثلاث، ذلك ان ابن الملك في هذه المقطوعة يبتغي تحصيل موضوعه، وموضوعه هو ليس المرأة، وانما أمنيته. وقد انطلى الخداع على الفتاتين الأوليتين، وفشلتا فيه بعد ان طلب منهن الأمير تحقيق
(1) حكايات الموصل الشعبية: ص93 وما بعدها.