الصفحة 68 من 164

الباب وخرجت هاربة لا تلوى على شيء وهي تتوعد في نفسها، العجوز البيرة [1] التي أوقعتها في هذا المأزق.

لما كان أهل البيت وذوو القتيل يعلمون بالموضوع وقد تركوا البيت خصيصا ليخلو لابنهم الجو فقد كتموا أمر قتلة ابنهم الشنعاء في أنفسهم وأخذوا يتوعدون قاتله بعظائم الأمور ويقولون:

-هل المتوبعة المشلفطة [2] سنريها أنجم الضحى. اغتالت ولدنا الكرم [3] ظلما وعدوانا.

قالوا هذا ودفنوا ابنهم كاتمين الأمر عن الأقربين والجوار، أما الفتاة فقد رجعت إلى دارها ولم تذكر ما حدث لمخلوق بشري. وبعد انتهاء المراسيم بدأ أهل القتيل يحيكون الدسائس لا يكلون ولا يفلون، وعهدوا لتلك العجوز البيرة ان تنسج حبال المؤامرة من جديد.

جاءت هذه العجوز النّعلي عليها اتجوز، في شهر تموز، طار النغنغ ظل البوز [4] ، إلى الأمير زوج الفتاة بحجي وحاجي، وقالت له:

-الله يخليك، يا مولاي الأمير، الغيور على عرضك وناموسك، ان امرأتك اغتنمت فرصة ذهابك إلى خارج البلد، فتركت القصر من دون اذنك وذهبت إلى محل من المحلات المشبوهة. والدليل على ذلك انها لم تخبرك منذ قدومك حتى الآن عن مغادرتها الدار والى أين ذهبت. فاذهب اليها واسألها لعلك تظفر منها بطائل.

فوقع كلام هذه العجوز المكارة مثل السيخ بقلبو، وصار لا يستقر له قرار، لا ينام ولا يهجع والوساوس تأخذ منه كل مأخذ، وحار في زمانو واسودت الدني بعينو وضاقت عليه سبل التفكير. وفكر في ان يبعدها عن قصره حتى تنكشف له الحقيقة، إلى ان تثبت براءتها من التهمة فيعيدها ولا كنّا ولا صرنا، ولا تعرف هي السبب الذي اخرجت به من القصر. وسرعان ما نفذ هذا الخاطر وبادر باخراج الفتاة من القصر واعادتها إلى أهلها.

خرجت الفتاة وهي في حزن وغم وحملت معها ما استطاعت حمله، وذهبت إلى

أهلها، حيث حملتهم على أغراضهم، واللحاق بها، حيث توجهت إلى بلاد بعيدة واشترت دارا على ساحل النهر وأخذت تجلس طول أوقاتها قرب النافذة تتطلع إلى الماء بانكسار

وحزن، وتوارت عن الأنظار بحيث لم يعرف أحد ما حل بها. أما زوجها، فأخذ يبحث ويدقق

(1) البيرة: هي المكارة المتحايلة وتستخدم للمذكر أيضًا، حكايات الموصل الشعبية، ص46.

(2) المشلفطة: تعبير ذم: حكايات الموصل الشعبية: احمد الصوفي، ص46.

(3) الكرم: أي السيد العظيم، جاء في اللسان (القرم: السيد العظيم والمقدم في المعرفة وتجارب الأمور) ، مادة (قرم) وقد ابدلت القاف كافا في العامية الدارجة.

(4) البوز: تعبير ذم (طار النغنغ أي الفك وبقي الذقن) ، حكايات الموصل الشعبية، ص47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت