الصفحة 67 من 164

فراحت القريبة تنقل إلى الامير ماسمعت من فم الفتاة، ولما انتهت من كلامها ايقن انه عثر على ضالته المنشورة، وحصل على امرأة كتومة للاسرار، غيورة على سمعته زوجها، قوية الارادة، تستطيع ان تخفي عواطفها الانثوية، فرفع يده وحمد الله شاكرا اياه تعالى على امنيته، ودخل غرفة العروس مغتبطا مسرورا، وصار يبادلها اشهى الاحاديث ويعانقها ويتطلع إلى وجهها الجذاب.

وكان جار الامير شابا طائشا نزقا، من ابناء الملوك هو الآخر، يقضي أوقاته في اللهو والمسرات ولا يقيم وزنا لمكارم الاخلاق، حانت منه التفاتة ذات يوم فشاهد الاميرة في البستان، فهام بها حبا من أول نظرة ووقع في شراك غرامها فأعز إلى احدى النساء الماكرات باغوائها ووعدها بمال طائل إذا افلحت في اغرائها والإتيان بها إليه. فأخذت المكارة بالتردد إلى القصر علها تسنح الفرصة لها. وأخذت تتملقها وتلاطفها، وتظهر لها العطف والمودة حتى وثقت الاميرة بها.

وفي ذات يوم، ذهب الامير الزوج إلى خارج المدينة لأمر هام، فأغتنمت العجوز الماكرة هذه الفرصة وطلبت من الاميرة ان تزور دارها وهي مجاورة للقصر، لكي تجازيها على صنوف الاكرام التي قابلتها به. وإزاء الالحاح لم يسع الاميرة الا الموافقة على ذلك، فاستأذنت من حماتها، وأخذت سبيلها إلى دار المقام هناك الا وكان هذا الشاب بين يديها، فأيقنت انها وقعت في شراك هذه المتحايلة والتفتت يمنة ويسرة فلم تجدها اذ انها كانت قد تسللت وخرجت وتركتها مع هذا الوحش كالفريسة السهلة السائغة. واقفلت الباب عليهما. غير ان المرأة الذكية لن تعدم حيلة تخلص بها من المأزق الحرجة، وكانت تلبس في رجليها حذاء ذهبيا دقيق الصنع لا يستطيع المشي به غيرها. فكتمت ما بها من قلق، وجلست وأظهرت بعض المودة واللطف، فأنس منها الشاب وايقن بانه سيبلغ مراده بدون شدة، وباللطف واللين، وقامت هي تسير وتخطر في أرجاء الغرفة مظهرة عدم اكتراثها بالأمر. وبعد ان اطمأن باله على موافقتها على مأموله صرّح لها بحبه وهيامه من يوم وقع نظره عليها فقالت له:

-كما ترى اني الآن بين يديك، ولا أمتنع عليك، وان لك من الحب عندي كما لي عندك منه، فهاك هذا القبقاب [1] النفيس الصنع هدية مني وأدخل عليّ السرور والانبساط بمحاولتك لبسه والجري به في صحن الدار لأنه عمل خصيصا للانزلاق واللعب. وأرني شطارتك وخفتك، فلبس الشاب القبقاب، وصار يمشي به في صحن الدار، وما لبثت ان تسللت وراءه ودفعته فسقط سقطة شنيعة فهجمت عليه بسكين كانت مخبأة في ثيابها، ثم فتحت

(1) القبقاب: هو حذاء خشبي شائع الاستعمال في الموصل، والمفردة عربية قال ابن منظور ما نصه (القبقاب النعل المتخذة من خشب بلغة اليمن) . لسان العرب: (مادة(قبب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت