خارق للطبيعة وهو يمثل في نهاية المطاف انموذجا اعتقاديا للبدائي، فالبدائي"في جلة محاولاته الجادة في الفن والسحر يسعى للسيطرة على الطبيعة، ويقوي شعوره هذا التفسير الذي يعطيه لأن الخالق لم يوجد الا من خلال قوى أخرى من هذه الطبيعة والكون، وبما ان الانسان هو مركز الكون وجامع خصائصه إذا هو قادر على اخضاعه لسيطرته، وهو بهذا يستخدم السحر ليحقق هذا الاخضاع، ويستخدم الشعائر الدينية العنيفة، وهو يمثل الركائز الأولى التي وضع العلماء أيديهم عليها في فهم الحياة البدائية" [1] .
وللسحر قوى خارقة وسيطرة اخضاع فائقة قد تفوق تأثير الدين نفسه"فالفرد الذي يوقن بأنه قد أصبح هدفا للسحر يقتنع حينئذ انه هالك لا محالة، استنادا إلى تقاليد مجموعته المقدسة، ويشاركه في ذاك الاقتناع أصدقاؤه وأقرباؤه" [2] .
ويمكننا القول ان الحكاية لم تبق جامدة على حالها، بل تطورت تبعا لتطور الانسان والمجتمع واختلاف نظراته إلى الوجود، كما انها لا يمكن ان تختفي في يوم ما على الرغم من سطوة العقل والتطور التكنولوجي الحديث وانتشار الوعي في معظم أرجاء المعمورة، وظهور ما يسمى بعصر الآلة، ذلك انها تمثل صورة"حية تمثل الانسان بنفسيته المعقدة وأحاسيسه الغامضة في مختلف مجالات الحياة وهي تزف الينا صورا دقيقة للانسان في غرائزه ومطامحه وسجاياه وللحياة في أبعادها السحيقة وللمجتمع في تلونه ونقائصه لا نجدها في أروع كتب الفلسفة وأعمقها لأن الحكاية يمكن ان تعد فلسفة مجسمة نسمعها عن لسان أناس وان كانوا من اختراع الخيال" [3] .
3.في المنهج (المقاربة البنيوية الدِّلالية) :
لابد لنا من ان نعرض المنهاجية التي سوف تدرس من خلالها الحكايات الشعبية، وقد ارتأينا ان ندرسها ضمن منهج يقارب بين حقلين علميين، يستخدمان الأدوات المعرفية برؤية علمية ومعرفية صارمة إلى حد ما.
وهذان الحقلان هما (البنيوية والسيميائية) ونود ان نشير إلى اننا لن نفيد من مجمل التحليل السيميائي، بل سوف نأخذ منه ما يتعلق بالمحور الدلالي، ثم نحاول ان نجري نوعا من التقارب بين المحورين البنيوي والدلالي. وهذا النوع من التقارب ليس من اقتراحنا وانما هو متحقق فيما يسمى بعلم الدلالة البنيوي، الذي هو العلم المعني بدراسة البنية ونظامها وعلاقاتها
(1) الفن البدائي: ديب حماد، مجلة العلوم، العدد (4) ، السنة (17) ، بيروت، 1972، ص13 - 14.
(2) الساحر وسحره: كلود ليفي شتراوس، مجلة التراث الشعبي، العدد (2 - 3) ، 1976، ص75.
(3) الحكاية والانسان: يوسف أمين قصير، ص8.