نستطيع ان نفهم مدى التوسع النوعي الخاص بمضمون هذه الحكايات ووظائفها وقدرتها على الاشتغال داخل البنى النصيّة والخارجة عنها.
ويبدو لنا ان الحكايتين الأسطورية والخرافية تمثلان البنى الفوقية الخاصة بالأيديولوجيا السياسية، يقول شتراوس"لا شيء يشبه الفكر الأسطوري أكثر من الأيديولوجيا السياسية. وربما حلت في مجتمعاتنا المعاصرة، محل هذا الفكر فقط" [1] ، وهي على الرغم من تأكيدها على الجوانب الانسانية في مضمونها الا انها تمثل أداة مستقلة لصرف النظر عن الجانب الدنيوي فيما يخص الشرائح الاجتماعية المتدنية، ومن هذا نجد ان الفقراء قد لجأوا إلى"الداخل الذاتي للنفس أي السحر ومن الرغبات الداخلية، أو ما يسمى فلسفيا فينومينولوجيا الزهد، والانفعال مع الكون على أساس روحي، وبذا تحوّل التحرر الذاتي إلى استلاب مادي وأيديولوجي بفعل الصراع الطبقي وقوانين التمايز الاجتماعي والتعسف والقهر اللاانسانيين" [2] .
أما فيما يخص علاقة الحكايات بالتاريخ فالمفهوم ان التاريخ بوصفه وثيقة مكتوبة أو شفاهية تسجل لنا ما جرى من أحداث في الماضي يتعارض نوعا ما مع ما يجري في الحكايات الشعبية، تلك الحكايات التي يصعب تلمس الحقيقة الموضوعية فيها نظرا للتحريف والتزييف والمبالغة التي أصابتها فهي نتاج شعبي خيالي وليست نتاجا موضوعيا تكتبه الخاصة باستثناء ما تم توثيقه منه بحيث يكون محاكيا للواقع الاجتماعي، فان هذا النوع من الحكايات يمكن عده تاريخا لتلك الفئة أو الشعب الذي نتج عنه، وعلى الرغم من هذا فان الحكايات بمجملها لا تخلو من حقيقة واقعية سواء طرحت بشكل محاكي لما يجري في
الواقع، أو انها حرّفت وحوّلت إلى مجال عقلي صرف. ذلك ان الحكايات تاريخية من جهة انها تمثل"مأثورات رسمية تهدف إلى تسجيل التاريخ ويقوم بحكايتها متخصصون بمناسبات الاحتفال، وتتناقل داخل جماعة معينة من الناس. ويمكن تمييز ثلاثة أنماط من هذه الحكايات وهي تلك التي تختص بالتاريخ العام وتلك التي تختص بالتاريخ المحلي وتلك التي تختص بتاريخ العائلة" [3] .
ونظرا لأن الحكايات الشعبية متشابهة في معظم محاورها في إطار ثقافي متنوع ومختلف لكن هذا لا يؤثر على وحدتها أو شموليتها فهي على الرغم"من تباعد الديار واختلاف العصور، وذلك نتيجة وحدة التجارب الانسانية وانتقال الحضارات من مكان إلى مكان" [4] ، الا انها من
(1) الانتروبولوجيا البنيوية: كلود ليفي شتراوس، 1/ 247.
(2) الأسطورة والواقع التاريخي: جميل كاظم مناف، مجلة التراث الشعبي، العدد (5) ، س (6) 1975، ص41 - 42.
(3) المأثورات الشفاهية: يان فانسينا، ص304.
(4) التراث المفقود: نبيل فرج، ص205.