الحديث السادس
وبه قال البخاري في باب
ص 26
صيام عاشوراء:
5/ 1924 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيلُ - بفتح النون وكسر الموحدة وسكون التحتية وباللام _ واسمه الضَّحَّاك بنُ مَخْلَد _ بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام -
ص 23
على وزن مَقْعَد الشيبَاني البصري، ثقةٌ ثَبْتٌ من الطبقة التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين أو بعدَها، وهذا الإسناد في ستة أحاديث وهو كالإسنادِ السَّابق سواء، إلاَّ أن أبا عاصم هنا بدَل المَكِّيِّ المتقدم.
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) يزيد من الزيادة، وعُبيد مصغرًا مولى سَلَمَةَ بن الأكوع.
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) رضي الله عنه.
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا) هو هِنْدُ بن أسماء بن حارثة الأسلَمي، كما عند أحمد وابن أبي خَيْثمة.
(يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: إِنَّ) بفتح الهمزة وتشديد النون، وفي «اليُونينيَّة» [1] بسُكونها، ولأبي ذرٍّ بكسرها مع تشديد النون.
(مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ) بسكون اللام، ويجوز كسرها بلفظ الأمر للغائب، والميم مفتوحة تخفيفًا، أي ليُمْسِكْ.
(بَقيَّةَ يَوْمِهِ) حرمةً للوقت، كما يُمسكُ لو أصبح يومَ الشَّك مُفطرًا ثم ثبتَ أنَّه من رمضان (أَوْ) قال (فَلْيَصُمْ) شكٌّ من الراوي.
(وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلاَ يَأْكُلْ) استدلَّ به أبو حنيفة على أنَّ الفرض يجوز بنيِّة من النهار، لأنَّ صومَ عاشوراء كان فرضًا، وأجيبَ بأنَّه إمساك
ص 24
لا صومٌ وبأنَّ عاشوراء لم يكن فرضًا عند الجمهور، وبأنَّه ليس فيه أنَّه لا قضاء عليهم، بل في «سُنن ابي داود» أنَّهم أتموا بقيَّة اليوم وقضَوه، قال النووي: المشهور في اللغة أنَّ عاشوراء وتاسوعاء ممدُودان وحكي قصرهما. انتهى.
وفي «المصباح» : إنَّ الجوهري قال في تاسوعاء: أظنُّه مولَّدًا، وقال الصَاغاني: مولَّد، وينبغي أن يقال إذا استعمل مع عاشوراء فهو قياس عربي لأجل الازدواج، وإن استعمل وحْدَه فمسُلَّم إن كان النبأُ غير مسموع، وعبارة «القاموس» : العَاشر والعاشوراء والعَشُوراء ويقصران والعَاشور عاشر المحرم أو تاسعُه. انتهى.
والأول هو قول الخليل، والاشتقاق يدلُّ عليه، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، وذهب ابن عباس إلى الثَّاني، وفي «المُصَنَّف» : عن الضحاك عاشوراء يوم التاسع، قيل: لأنَّه مأخوذ من العِشْرِ بالكسر من إورادِ الإبل، تقول العربُ: وردَت الإبلُ عِشرًا إذا أُورِدت اليوم التاسَع، وذلك أنَّهم يحسبُون في الأظماء يوم الوِرْد وأول اليوم الذي تَرِدُ فيه بعدَه، وعلى هذا يكون التاسع
ص 25
عاشوراء، وهذا كقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة:197] على القول بأنَّها شهران وعشرة أيام.
والمشهور من أقاويل العلماء أن عاشوراء عاشر المحرم وتاسوعاء تاسع المحرم، استدلالًا بالحديث الصحيح: أنَّه عليْه الصَّلاة والسَّلام صامَ عاشوراء، فقيل له: إنَّ اليهود والنصارى تعظِّمُه، فقال: (( إذا كان العامُ المقبل صُمنا التاسعَ ) )فإنَّه يدل على أنَّه كان صام غير التاسع، ولا يصحُّ أن يَعِدَ بيومٍ قد صامَه، وقيل: أراد ترك العاشر وصوم التاسع وحدَه خلافًا لأهل الكتاب، وفيه نظر لقوله عليه الصَّلاة والسلام: (( صُوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا قبله يومًا وبعده يومًا ) )، ومعناه: صُوموا معه يومًا قبله أو بعده حتى تخرجوا عن التشبيه باليهود في إفراد العاشر، ولم يكن واجبًا، واتفقوا على أنَّ صومَه سنةٌ لخبر: (( أحتسبُ على الله أنَّه يكفِّر السنةَ التي قبلَه ) )، وكذا يُسن صوم تاسوعاء لخبر: (( لئن عشتُ إلى قابل لأصومَنَّ التاسعَ والعاشر ) ). فلم يعش صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى القابلة، بل توفي في الثاني عشر من شهر ربيع الأول.
[1] في حاشية المخطوط: (نسخة الإمام اليونيني في الحاشية) .