النظر في القرآن، فيستفيدون مما جاء فيه من الآيات البينات , ويحتجّون به علينا , ونحن لا نقدر أن نقابلهم بالمثل؛ لأن كتبهم مغلقة في وجوهنا. أفيدونا بما علمكم الله؟.
فأجاب فضيلته: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الأمور بمقاصدها , فمن يطالع كتب الملل بقصد الاستعانة على تأييد الحق وردّ شبهات المعترضين ونحوه وهو مستعد لذلك , فهو عابد لله تعالى بهذه المطالعة , وإذا احتيج إلى ذلك؛ كان فرضًا لازمًا.
وما زال علماء الإسلام في القديم والحديث يطلعون على كتب الملل ومقالاتهم , ويردّون بما يستخرجونه منها من الدلائل الإلزامية , وناهيك بمثل ابن حزم وابن تيمية في الغابرين، وبرحمة الله الهندي صاحب إظهار الحق في المتأخرين، أرأيت لو لم يقرأ هذا الرجل كتب اليهود والنصارى، هل كان يقدر على ما قدر عليه من إلزامهم وقهرهم في المناظرة , ومن تأليف كتابه الذي أحبط دعاتَهُم في الهند وغير الهند، أرأيت لو لم يفعل ذلك هو ولا غيره أما كان يأثم هو وجميع أهل العلم , وهم يرون عوام المسلمين تأخذهم الشبهات من كل ناحية ولا يدفعونها عنهم؟
نعم إنه ينبغي منع التلامذة والعوام من قراءة هذه الكتب لئلا تشوش عليهم عقائدهم وأحكام دينهم، فيكونوا كالغراب الذي حاول أن يتعلم مشية الطاووس فنسي مشيته ولم يتعلم مشية الحجل، والله أعلم. [1] (
ولنفترض جدلًا أنَّ علماء أهل السنَّة والجماعة فتحوا المجال للنَّاس أجمعين ليطالعوا ما يشاؤون، ويشاهدوا مايريدون، فالظنُّ أنَّه سيخرج كلُّ واحد منهم بمنهج يدَّعي أنَّه الحق الذي لا مرية فيه، وخاصة إذا استصحبنا أنَّ في القلوب ركيزة الهوى، وتزيين السوء باسم المصلحة تارة والحق أخرى ووجهة النظر ثالثة والحرية رابعة، وتكون النتيجة المحصِّلة لنا من هذه الآراء؛ التمذهب بمذهبية الـ (حيص بيص!) في المعتقدات والأفهام، والكل يقول أنا الذي! دع عنك حبَّ الاستئثار بالرأي لدى البشر، وتعظيمهم لأقوالهم، ومن ثمَّ إخراجهم للكتب والمؤلفات لنصرة رأيهم، والانتصار لفكرتهم (وكم كتاب صنع ليطعن حقَّا) كما قاله الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه: (نقض كتاب الشعر الجاهلي ص4)
والحقيقة أنَّنا إذا نظرنا فيمن يعظِّم الذي يظنُّ أنَّه عقلاني، فسنجدهم قد صاروا إلى أقوال متباينة، وأفكار غريبة، وقلَّ أن نراهم يوافقون الحق والصواب المدَّعى من قِبَلِهم؛ لأنَّ المعيار بلا معيار لا يكون، والعقول تختلف، والآراء تتباين، والأفكار تتضارب، فتتكون لديهم رؤية مبعثرة غير متَّزنة، تسفُّها الرياح العاتية، وتتلاعب بها الأعاصير الجارفة، وقد قيل: (للناس بعدد رؤوسهم آراء!) ولهذا فلم نرَ من كبارهم إلَّا الندم والحسرة على تلك الأيام التي خلت حين كانوا يضربون الأخماس في الأسداس في ماهية المنهج الصائب، حتَّى انتهوا بلا نهاية، وقالوا:
(1) نشرت فتواه في موقع إسلام أون لاين على هذا الرابط: http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1150542078333