ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وللَّه درُّ الإمام ابن قتيبة حيث قال عن هؤلاء المتَّبعين للمنهج"الأرأيتي": (وقد كان يجب ـ مع ما يدَّعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر ـ أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحُسَّاب والمسَّاح، والمهندسون، لأن آلتهم لا تدلُّ إلاَّ على عدد واحد، وإلا على شكل واحد، وكما لا يختلف حذَّاق الأطبَّاء في الماء وفي نبض العروق؛ لأنَّ الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد؛ فما بالهم أكثر الناس اختلافًا، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين) (انظر: تأويل مختلف الحديث/صـ63) وصدق الله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) .
وأمَّا ما ادَّعاه بعضهم من صحَّة الفكرة القائلة: بأن يقلِّب المرء ناظريه بين الأقوال المتضاربة، ويرى الحق الذي يبدو له في بعضها فيختاره، ثم يرى أنَّ هناك شخصًا تَعَقَّبَ ذلك الحق الذي اتَّبعه فجعله باطلًا، ثمَّ أبدى ما لديه من حق، فيأتي المرء ليختار الحق الذي اختاره ذلك الشخص المتعقب لكلام من قبله، ثمَّ يأتي شخص ثالث فيبطل القولين ويصوِّب القول الذي اختاره بعناية وتحقيق، فيأتي هذا المرء المسافر بين عقول هؤلاء ليختار قول هذا الرجل، لأنَّه قوي في المناظرة، رابط الجأش في المجادلة، وهكذا .... فإنَّ هذا الرأي المطروح ليس صوابًا، لأنَّ دين الله لم يأت ليحاكمه العقل البشري، بل ليسمع له ويطيعه، ولهذا فإنَّ المنهج العقلي وإنْ صوِّر لأصحابه في البداية بأنَّه منهج المنطقية والعقلانية، إلَّا أنَّه في الحقيقة منهج الحيرة والضلالة، لأنَّ هذا المنهج وإن كانت له قيود، فقيوده متفلِّتة، وقواعده متسيِّبة، فينتج من ذلك ثلاثة أمور:
1ـ إمَّا أن يصاب أصحابه بتبلّد الإحساس فيختاروا قولًا، يبقون عليه إلى أن يُقْبَضُوا مع تعصب مقيت، وهوى متَّبع.
2ـ وإمَّا أن يصطدموا بما لا طاقة لعقولهم به فيردُّوا الشريعة جملة وتفصيلًا.
3ـ وإمّا أن يصاب أصحابه بالارتحال الفكري، والتجوال بين عقول البشر، ومناهج الفلاسفة أو المفكرين العصريين، فيعانوا من الدُّوار مع القلق الفكري، وتغلب عليهم الحيرة والاضطراب المنهجي ـ عياذًا بالله من ذلك ـ وقد ابتلي بعض من سار على هذا المنهج بذلك مثل: الفخر الرازي، والشهرستاني، والجويني، والكرابيسي، والخونجي، وشمس الدين الخسروشاهي، وابن واصل الحموي، والآمدي، وإبراهيم الجعبري، وغيرهم، وإن كان بعض هؤلاء قد منَّ الله عليهم بالرجوع لمنهج أهل السنة والجماعة قبل وفاتهم ـ ولله الحمد والمنَّة ـ.
وحين جاء رجل للإمام مالك يقال له أبو الجويرية ـ متَّهم بالإرجاء ـ فقال له: اسمع منِّي، فقال مالك: احذر أن أشهد عليك. فقال هذا الرجل: والله ما أريد إلَّا الحق، فإن كان صوابًا، فقل به، أو فتكلَّم. فقال مالك: فإن غلبتني. فقال الرجل: اِتَّبِعْني. فقال مالك: فإن غلبتك، قال: اتَّبعتك. فقال مالك: فإن جاء رجل فكلَّمنا، فغلبنا؟ قال: اتَّبعناه. فقال مالك: يا هذا، إنَّ الله بعث محمدًا ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بدين واحد، وأراك تتنقل!!) (سير أعلام النبلاء 8/ 99ـ106) (الفتوى الحموية الكبرى/ ص277) ولا يعني ذلك بحال ألاَّ يتطلب المسلم