أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه، غضب ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقال: (أوفيَّ شكٌّ ياابن الخطَّاب؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقيَّة، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده، لو أنَّ موسى كان حيًَّا ما وسعه إلاَّ أن يتبعني) أخرجه أحمد في مسنده (3/ 338) ، وابن أبي شيبة في مصنَّفه (6/ 228) بسند حسَّنه الألباني.
كان ذلك منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ تربية لأصحابه على أن يكون الينبوع الذي يتلقون منه واحدًا عذبًا نقيًَّا: (يسقى بماء واحد) ، ليفارقوا أهل الضلالة ويستقوا المنهج من غيرهم، لأنَّ مفارقتهم منهج لأهل السنة والجماعة، وليست من إنشاءات بعض المتشدِّدين كما يزعمه بعضهم، ويكفينا أنَّه ـ سبحانه وتعالى ـ يقول في محكم التنزيل لمن يطلب النظر في غير كتاب بدعوى عدم الحجر الفكري: (أولم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) !!
وأمَّا ما يدَّعيه بعضهم من أولي التوجهات الحديثة العصريَّة: بأنَّ ذلك التحفظ من باب الحجر على الأفكار، والاسترقاق الفكري، والإرهاب الثقافي تجاه الناس، وأنَّه لا بأس بأن يستمع من شاء إلى من يشاء، سواء أكان سنِّيَّ المنهج أو نقيضه، بلا توجيه أو رعاية أو تربية وعناية؛ بزعم أنَّ الحق أبلج ناصع، ومن خلال نصاعة الحق سيتبين للناس أنَّه حق ويأخذون به، لأنَّ الله يقول: (فأمَّا الزبد فيذهب جفاء وأمَّا ماينفع الناس فيمكث في الأرض) ويقولون: إنَّه ليس من إشكال أن يقلِّب المرء بصره في كلام الناس، ويستمع لجدال المجادلين، ثمَّ يرى من كان كلامه حقًا فيأخذ به.
فالجواب عن ذلك: بأنَّ هذا الطرح متولد من العقلية الغالية في تحكيم النصوص، والتي تزايد في إعطاء العقل ما لا يقدر عليه، ولم يُبْنَ على الأصول الشرعية، وإلَّا فإنَّ هدي رسول الهدى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ والصحابة والتابعين ممن بعده يقوم على تحصين الأفكار، وصيانة العقول من الاستماع لكلِّ من هبَّ ودبَّ، وعلى هذا قام منهج أهل السنَّة والجماعة، ورحم الله عمر بن عبد العزيز، حين قال: (سنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعته، وقوَّة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنُّوا فقد اهتدى، ومن استبصر بها بصر، ومن خالفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ماتولى وأصلاه جهنَّم وساءت مصيرًا) أخرجه الآجري في الشريعةص48،والَّلالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعةبرقم (134) (1/ 94) ،وعبدالغني المقدسي في الاقتصاد في الاعتقادص216) وحين جاء رجل للإمام الأوزاعي ـ رحمه الله ـ فقال: أنا أجالس أهل السنَّة، وأجالس أهل البدع. قال الأوزاعي: (هذا رجل يريد أن يساوي بين الحقِّ والباطل) أخرجه ابن بطَّة في الإبانة (2/ 456) والَّلالكائي (252) في شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة.
وكم أعجبتني فتوى الشيخ العلاَّمة السيد محمد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ حين سئل: ما هو حكم الله فيمن يطالع الكتب السماوية الأخرى مثل التوراة بقصد الإحاطة خبرًا بما جاء في غير شريعتنا , وهل كان النهي عن قراءتها عامًّا، وإذا سلمنا ذلك تكون الشعوب غير الإسلامية متميزة على المسلمين بعدم منع أنفسهم إجالة