الصفحة 6 من 22

فصل

الحذر من مخالفة منهج أهل السنَّة والجماعة

من يتابع مسيرة سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ يجدهم يتحاشون الاستماع لأهل البدع والهوى، أو محادثتهم، أو مجالستهم، وفي هذا يقول سفيان الثوري:(من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، وهو يعلم، خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه، وقال كذلك: من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم.

علَّق الإمام الذهبي على مقولة الإمام سفيان الثوري بقوله: أكثر الأئمة على هذا التحذير يرون أن القلوب ضعيفة والشُّبه خطَّافة)"السير7/ 261"، وقد أحسن من قال:

لا تستمع إلاَّ لقول صادق ... يغنيك عن خطل من الأقوال

فالأذن نافذة العلوم وخيرها ... أذنٌ وعت ذكرًا تلاه التالي

بل إننا نجد أنَّ من منهج أهل العلم الراسخين تجاه المدارس الضالَّة؛ التحذير منها، بله محاولة انتزاعها من أيدي أصحابها، لئلاَّ تفسد عقول الناس بتلك الأفكار المضلِّلة، ويذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ شيئًا من هذا قائلًا: (وقد أمر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذُها منهُ أفضلُ من أخذِ عكا ـ وقد كانت بأيدي الصليبيين ـ مع أن الآمدي لم يكن في وقته أكثر تبحرًا في الفنون الكلامية، والفلسفية منه، وكان من أحسنهم إسلاما، وأمثلهم اعتقادًا) "مجموع الفتاوى 18/ 53"

وقد يقول قائل: أليس ذلك مصادرة للرأي، وحجرًا على الأفكار؟

وإجابة على ذلك؛ أنَّ هذه المصادرة لرأي الآخر ليس كما يظنُّه بعض أهل الهوى أو المنهزمين ممَّن ينتسبون إلى الإسلام؛ بسبب الخوف والجبن من الاستماع لأهل البدع والهوى، بل لأنَّه حفظ لعقول المسلمين، والاحتياط لدينهم من سماع كلام أهل الضلال والكفر، استدلالًا بقوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) وقوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتَّى يخوضوا في حديث غيره) "النساء/140".

ومن الأدلَّة على ذلك قوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (وإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة وكلُّ بدعة ضلالة) أخرجه أحمد في مسنده (4/ 126) والترمذي برقم (2676) وقال: حديث حسن صحيح، فإنَّه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ حذَّرنا من محدثات الأمور، ودعانا إلى اجتنابها.

ومن الأدلة كذلك ما رواه عمران بن حصين عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنَّه قال: (من سمع بالدجَّال فلينأ عنه، من سمع بالدجَّال فلينأ عنه، من سمع بالدجَّال فلينأ عنه، فإنَّ الرجل يأتيه وهو يحسب أنَّه مؤمن، فما يزال به بما معه من الشبه حتَّى يتَّبعه) أخرجه الإمام أحمد في المسند (4/ 431) بسند صحيح، وجوَّد إسناده الإمام ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/ 220) . بل إنَّ المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين أتاه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بكتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت