وقد يتساءل بعض المستشكلين عن علَّة الاهتمام والتَّشبُّث تجاه مصادر التلقي؛ والسبب في ذلك، لئلاَّ تختلط المناهج في الذهن، وتتضارب التصورات، فتكون النتيجة المنطبعة بعد ذلك في العقل الإسلامي منهجًا غوغائيًا لا تلزمه ضوابط، ولا تحكمه قيود.
فالمطلوب لمن أراد الهداية والتثبيت على سلَّم الشريعة، ليدفع بها الأهواء، ومكائد أهل الضلال، أن يكون معتنيًا بحماية عقله، بسياج الشريعة الإسلاميَّة وأصولها، والتي تكوِّن له ثوابت عقدية تحميه ـ بعون الله ـ من سريان الأفكار المضلِّلَة إلى منهجه، من أهل الأهواء والعصرنة والعلمنة. أمَّا أن يظنَّ العبد بنفسه حين قرأ شيئًا في عقيدة أهل السنة والجماعة أنَّه صار مدركًا لها بالكليَّة، أو مفكِّرًا ألمعيًا، ثمَّ يطالع كتب أولي الأهواء والبدع، ويشاهد بعض البرامج الدينية أو الفكرية في بعض القنوات الفضائية، بحجَّة الاستنارة وعدم التعصُّب الفكري، أو بغية العثور على فكرة ضالة، فيبدأ مشاهدًا ومطالعًا متوجسًا من كلام المتحدث، وما أن تمضي عدَّة شهور أو سنوات، حتَّى يدمن ذاك الذي ظنَّ أنَّه قد أحاط علمًا بأصول الإسلام، على مشاهدة الفضائيات وملاحقة الصحف والمنتديات الثقافية، فتبدأ الشبهات تقع في ذهنه، لقلَّة علمه، بل قد يأتي بعضهم لأهل العلم في مجالس خاصة أو عامة، يحدثونهم سرًا أو علانية، بأنَّ في ذلك البرنامج الفلاني، أو الصحيفة الفلانيَّة، ذكر الكاتب كذا، وأقام الأدلة على حديثه، فهل كلامه صواب؟ وكيف نرد عليه؟! والحقُّ أنَّ هؤلاء أحسنهم، وإلاَّ فقد ينخدع هؤلاء ببعض أهل الهوى ممَّن أوتوا فصاحة وبيانًا بل علمًا، فتختلط المعايير لديهم، ويضطربون فكريًا، ثمَّ يلتفتون مرَّة أخرى إلى منهجهم الذي ساروا عليه سنوات فيدَّعون أهمِّية نقضه ونسفه، ومعاودة النظر في كلام علمائه بحجَّة أنَّهم رجال وعلماء السلف رجال؛ لأنَّه لم يقم على الأصول العلمية الصحيحة!! وصدق عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ حين قال: (من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل) (تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة/صـ115) .