ولم يحصل لك شيء بالمقارنة مع ما حصل لرسول الله وأصحابه، وعليك بالصبر والاحتساب، فكل شيء يعلم أجره إلا الصبر؛ لأن الله يقول: [إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ] ( الزُّمر:10) .
كم سيد متفضل قد سبه *** من لا يساوي طعنة في نعله
وإذا استغاب أخو الجهالة عالمًا *** كان الدليل على غزارة جهله
أهل المظالم لا تكن تبلي بهم *** فالمرء يحصل زرعه من حقله
أرأيت عصفورًا يحارب باشقًا *** إلا لخفته وقلة عقله
واحرص على التقوى وكن متأدبًا ***وارغب عن القول القبيح وبطله
واستصحب الحلم الشريف تجارة *** واعمل بمفروض الكتاب ونقله
واجف الدنيء وإن تقرب إنه *** يؤذيك كالكلب العقور لأهله
واحذر معاشرة السفيه فإنه *** يؤذي العشير بجمعه وبشكله
واحبس لسانك عن رديء مقاله *** وتوق من عثر اللسان وزله
واعلم أن رب ضارةٍ نافعة، وقد تكتسب خيرًا بحسد الحاسد لم تكن تتوقعه وهو لا يشعر به:
وإذا أراد الله نشر فضيلة *** طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار في جزل الغضا *** ما كان يعرف طيب نفح العود
وكان بعض السلف إذا علموا أن شخصًا تكلم فيهم واغتابهم وحسدهم أهدوا إليه هدية كما فعل الشافعي رحمه الله عندما أهدى حاسده هدية وقال له:"لقد أهديتني حسنات كثيرة وأنا أكافئك بهدية صغيرة فاقبلها، ثم قال لحاسده: والله لو أحبني أمثالك لشككت في نفسي".
لما عفوت ولم أحقد على أحد *** أرحت نفسي من هم العدوات
إني احيي عدوي عند رؤيته *** لادفع الشر عني بالتحيات
أخيرًا: فإن داء الحسد من أعظم الأدواء، والابتلاء به من أشد البلوى يحمل صاحبه على مركب صعب، ويبعده عن التقوى، وحق للحاسد أن يعاتبه ربه بقوله: [أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا] ( النساء:54) .