ولقد وقفت أثناء عملي في تحقيق مخطوطة الفاكهي على المئات من أعلام حدود الحرم التي أشار إليها في كتابه، عند ذلك قررت إكمال معرفة هذه الأعلام والوقوف عليها جميعا،
مهما كلفني ذلك من جهد ومشقة. وهذا يعنى السير حول مكة المكرمة ليس بالسيارة وعلى أرض منبسطة سهلة، وإنما على جبال مرتفعة قد يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من (500 م) فوق سطح البحر. بعضها لا يؤمن في تسلقها من وجود الأفاعي والهوام والوحوش ويخشي أن تزل القدم فأقع في واد تكون عاقبته وخيمة لا قدر الله، وهذا يعني أيضًا أن أسير على قدمي الساعات تلو الساعات على أرض جبلية وعرة، يابسة لا يري فيها ماء ولا خضرة.
هذه الصعوبات تتابعت أمام مخيلتي وأنا عامد على إكمال هذا البحث وسرعان ما تغلب حب المعرفة على جميع الصعوبات، فتوكلت على الحي الذي لا يموت، وقررت أن أسلك ما على الجبال لتحقيق حدود الحرم مهما أخذ ذلك من تضحيات.
ثم برزت أمامي مشكلة أخرتني أشهرا عن البدء الفعلي بهذه المهمة، هذه المشكلة هي: (من هو الدليل الذي يصحبني في مهمتي هذه؟) .
إن هذه الرحلة غير عادية، لأنها ليست من بلد إلى بلد، إنما هي طواف حول بلد، بمسار دقيق لا يجوز أن نحيد عنه ذات اليمين ولا ذات الشمال، ومتى ما خرجت من مسارك انتفت الفائدة من هذه الرحلة، وكانت كأن لم تكن.
فمن هو الشخص الذي يدلك على مواضع هذا المسار الدقيق؟ إنك قبلت المغامرة، فمن يغامر معك يا ترى؟ طبعًا لم أجد أحدًا.
عند ذلك أردت مرشدًا لا يصحبني في هذه الرحلة فحسب، وإنما يدلني على مواضع الحد من أسافل الجبال، ويقول: الحد على هذا الجبل يبدأ من هنا وينتهي هاهنا. وبحثت عن هذا المرشد فلم أجده أيضًا.