وعند تحقيق هذا الكتاب، عاد الشوق يحدوني من جديد لمعرفة مواضع حدود الحرم المكي الشريف، والوقوف عليها، واشتدت رغبتي في ذلك، وأخذ الحماس لهذا الأمر يزداد يومًا بعد يوم كلما تعمقت في دراسة المباحث الجغرافية التي ذكرها الفاكهي في كتابه.
وكان من منهجي في تحقيق"كتاب الفاكهي"أن لا أدع موضعًا ذكره في البلد الحرام وعرفه إلا وقفتُ عليه ووَصَفتُه وصَوَّرتُه، وعرّفت أسمه الجديد، وما لم أعرفه من هذه المواضع، سألت عنه أهل الخبرة، واستصحبت مَن يَدُلني للوقوف عليه، ولذلك فقد قمت بعشرات الرحلات للتطواف على هذه المواضع، وتصويرها، وربط حاضرها بماضيها، قدر المستطاع، وسَخرت كل إمكاناتي المادية والأدبية لتحقيق ذلك، وكان مما ذكره الفاكهي مواضع صرح أنها من حدود الحرم، جبال وثنايا وأراض منبسطة، وغير ذلك، وقد صرح أيضا أنه توجد أعلام للحرم على هذه المواضع، فكنت أذهب بشغف ولهفة إليها، وأتسلق الجبال، وكم تكون فرحتي غامرة وشديدة عندما أجد تلك الأعلام التي ذكرها الإمام الفاكهي، وكم تكون فرحتي أشد وأكثر عندما أجد على هذه الأعلام آثار النورة البيضاء (1) القديمة.
ولقد كانت هذه الفرحة تنسيني التعب والمشقة في تسلق العالي من الجبال، وتنسيني ما يدخل في قدمي من أشواك، وما يسيل منها من دماء.
هذا وقد استدرجني"كتاب الفاكهي"إلى هذا الموضوع، أكثر من ذي قبل، ولقد وافق هذا الاستدراج هوى متأصلا في قلبي منذ زمن بعيد.
(1) أي الجير الأبيض، ويستعمل في البناء قديمًا والذي يسمونه الآن"الجص"أو"كبريتات الكاليسوم"، وقد طلبت من مركز الأبحاث الرئيسي بفرانكفورت بألمانيا تحليل عينة من الأحجار الجيرية المذكورة لمعرفة تاريخ عمارتها فوردني الجواب المرفق صورته في ملحق الصور، ومضمونه أنه ليس من السهل تحديد عصر هذه العينات الجيرية.