بعد ذلك تنازلت عن هذا المطلب الذي هو آخر ما يطلب من الدليل أو من المرشد، تنازلت عن ذلك إلى أمر آخر سوف أبينه، فلقد اتصلت بأكثر من رجل ممن لهم خبرة في مواضع مكة وجبالها ووهادها وأعلامها وشعابها، ومنهم خبراء عملوا في هيئة النظر في محكمة مكة تنتدبهم محاكم مكة لفض المنازعات، وتثبيت الحدود والحقوق والممتلكات في المواضع المحيطة بمكة المكرمة، ومنهم من خلف والده في هذا المنصب أو كان أميرًا على منطقة من مناطق مكة كالشريف الحارثي (1) .
وخلاصة القول أن هؤلاء أعلم بالمواضع التاريخية والأثرية في مكة؛ لا بل أعلم أهلها بأسماء جبالها، وريعانها وأوديتها وشعابها وآبارها وغير ذلك، وأعلم من عرفت بمواضع حدود الحرم الشريف، بل هو أعلم من عرفت مطلقًا حسب اجتهادي في ذلك بدون منازع. وقد كان بصحبتنا عندما وقفنا على بعض مواضع حدود الحرم بالطائرة.
واختبرت أحدهم في أكثر من أمر فوجدته من الصدق والورع والتحري، وكنت أديم النظر في كتاب:"أخبار مكة"للأزرقي، وفي كتابي الفاسي:"شفاء الغرام"و"العقد الثمين"ومصادر أخرى، وقلما سمعت بكتاب يتحدث عن البلد الحرام إلا اقتنيته وقرأته، وإن كان غير ذلك نقدت الكتاب بإشارات أضعها على صفحاته.
(1) الشريف محمد بن فوزان الحارثي رحمه الله توفي في عام 1407 هـ (1987 م) وكانت وفاته في الرياض أثر عملية جراحية، ودفن في (المعلاة) بمكة المكرمة في اليوم التالي من وفاته، وحضر جنازته جمع غفير من أهل مكة وأعيانها يتقدمهم صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز آل سعود. ولقد استفدت منه كثيرًا - رحمه الله- في تحقيق بعض المواضع التي وردت في مصادر التاريخ المكي، فكان حجة في تاريخها. انظر صورة له في موضع بئر (البرود) في أخبار مكة للفاكهي، الجزء الخامس (ملحق الصور) صورة رقم (52) .