خواطر كثيرة تتوارد إلى ذهن من يتسلق وحده لمثل جبال مكة الصخرية القليلة الشجر، المنعدمة الماء، الشاهقة الارتفاع، الملتهبة الحرارة.
إن هذه الرحلة قد استغرقت مني تسعة أشهر، جلها كانت في أشهر الشتاء والربيع والخريف، وكنت غالبًا ما أبدأ التسلق بعد صلاة الفجر، فلا تشرق الشمس علي إلا وأنا على رأس الجبل، أو في المساء بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس، أتقي بذلك حرارة الشمس الملتهبة على أرض الحجاز.
ولقد يسر الله لي، وأتممت هذه الرحلة الميمونة وله المنة والفضل، وله الثناء الحسن.
ولقد كنت أسجل ما أراه من أعلام على أوراق خاصة، وأبدأ برسم مخطط للجبل من أوله. وكلما صعدت ومررت قمة للجبل أثبتها على الرسم، وإذا ما مر بي شعب (1) عن يميني أو عن يساري أثبته على الرسم، ولا ينتهي الرسم إلا بانتهاء الجبل، وخلال ذلك كنت أثبت مواضع الأعلام على الرسم التخطيطي، ثم أسجل ما بين عَلم وعَلم من مسافة، واتجاه كل علم كذلك، ثم أسجل وصفًا كاملا لكل علم، هل هو كبير أو صغير؟ هل عليه نورة؟ هل حجارته منحوتة؟ مرضومة هو منخفض أو مرتفع؟ وهكذا حتى تكون الصورة التي يطالعها القارئ مكتملة قدر الطاقة، وأخيرًا ألتقط لكل علم صورة أو أكثر توضح معالمه الباقية.
ويعد النزول من الجبل أحصي ما وجدته عليه من أعلام ثم أكتب وصفًا عامًا للجبل من حيث حدوده وأبعاده، ولون حجارته، وما إلى ذلك، ثم إذا
(1) الشعب: ما أنفرج بين جبلين. ابن منظور، لسان العرب: 1/ 499 مادة (شعب) .