وهذه هي النقطة التي أشكلت علي بعض أهل العلم فظن أن المقصود طرق للحديث يقوي بعضها بعضًا وليس الأمر كذلك .
فكأن كلامه رحمه الله إنما يدور دائما علي سند واحد وليس كما ظن بعض المتأخرين أنه يقوي الأحاديث ببعضها وتكون في درجة الحسن والله المستعان .
ومن الفوائد العظيمة لهذا المثال اثبات أن الصحيح عند المتقدمين جزء وقسم من أقسام الحديث الحسن .
وهذا قد انتقده بعض المتأخرين في تعريف الترمذى وكأنه لم يقرأ جامع الترمذى قبل أن يسطر نقده !!!
وقد حاول بعض الأفذاذ من عباقرة الكلام لما ناظرناهم في هذا واحتججنا عليهم بهذا المثال ، حاولوا التعلل بعنعنة سفيان بن عيينة رحمه الله !!
فقالوا: إنما وصفه البخاري والترمذي رحمهما الله تعالي بالحسن لأن سفيان بن عيينة موصوف بالتدليس !!
وهذه والله حماقة ليس بعدها حماقة ، فسفيان بن عيينة لا يدلس إلا عن ثقة كما هو معلوم ، وإن كان يدلس عن كل أحد ، الثقة والضعيف فعندئذ لا يوصف الحديث بالحسن أبدًا ، وإنما يوصف بالضعف ، لأنه يدخل في باب المنقطع ، وليس هناك وجه أو طريق آخر لتقويته كما يفعلون هم ، فتأمل كيف يصنع هوى النفس بأصحابه .
2 ـ قال الترمذي في جامعه 857:
حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقول:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب وقد روي من غير وجه عن أنس رضي الله عنه .
وهذا حديث آخر حسن صحيح غريب !!
فالحديث حديث أنس رضي الله عنه لهذا وصفه بالغرابة .
وسنده صحيح ولهذا وصفه بالصحة .
ويروي من غير وجه ، فقد رواه: قتادة وحميد الطويل وعبد العزيز بن صهيب ومعاوية بن قرة وأبو التياح وغيرهم عن أنس رضي الله عنه ، وهذه هي الأوجه التي من أجلها وصف الترمذي رحمه الله الحديث بالحسن مع كونه ليس في إسناده من يتهم بالكذب وليس شاذًا .