ثانيًًا: لا يشك أحد ممن له علاقة بعلم الحديث وبعلمائه وتراجمهم وأخبارهم أن أئمة الحديث ممن سبق ذكر أعيانهم أسلم الناس قلبًا وفكرًا من العلوم الدخيلة على العلوم الإسلامية التي أثرت فيها تأثيرًا سيئًا ، كعلم المنطق ووليده علم الكلام ، وأنهم في هذا الأمر ليسوا كعامة المتأخرين ممن تأثروا بتلك العلوم بطريق مباشر أو غير مباشر كما بينت ذلك في المنهج المقترح .
ثالثًا: لا يخفى على أحد أن علم الحديث كان خلال القرون الأولى حيًا بين أهله ؛ لأنهم هم الذين سايروا مراحل نموه وتطوره ، وواجهوا الأخطار التي أحدقت به بما يدفعها ، وهم الذين وضعوا قواعده وأتموا بناءه ، حتى اكتمل ، وأنه بعد ذلك ابتدأ في التناقص ، حتى وصل إلى درجة الغربة ( كما صرح بذلك ابن الصلاح ت 643هـ ) .
ولذلك غمضت على المتأخرين كثير من معالمه ، وخفيت عليهم معاني بعض مصطلحاته ، وصاروا يصرحون في مواطن كثيرة بلسان الحال والمقال ، أنهم مفتقرون إلى الاستقراء ، والدراسة ، لأقوال المتقدمين ومناهجهم ، لاستيضاح معالم علم الحديث ، ومعاني مصطلحاته ، التي كانت حية ، واضحة المعالم عند المتقدمين ، كما سبق بيانه .
ولذلك كنت قد وصفت المتقدمين في كتابي المنهج المقترح بـ أهل الإصطلاح ، ووصفت المتأخرين بأنهم ليسوا من أهل الإصطلاح ؛ لأنهم أعني المتأخرين مترجمون لمعاني مصطلحات المتقدمين ، ومستنبطون لمعالم علمهم: أصولًا وفروعًا ، وليس لهم دور آخر سوى ذلك ، إلا أن يحفظوا لنا الأوعية التي تركها المتقدمون وهي الكتب ، (تأمل لتعي الفرق بين المتقدم والمتأخر الذي منتهي علمه النظر في كلام المتقدم ) .