وليس من العقل أو الحكمة أن يترك طالب الحق إعلال المتقدمين لحديث من الأحاديث ، ويقول صححه فلان في كتاب كذا أو كتاب كذا ، فلولا هؤلاء لما كان لفلان هذا وجود ولا إسم ولا ذكر ،
والواحد منهم في العلم يزن مليء الأرض من أي فلان تتخيله ، أو تعرف اسمه ، ولو كانت كتبه تملأ مكتبات الدنيا كلها ، بل لو كانت تملأ مساحة الدنيا نفسها كلها .
فلا يمكن مثلًا أن يقارن عاقل بين الشيخ الألباني رحمه الله وبين ابن حجر العسقلاني ، فضلًا عن أبي حاتم وأبي زرعة الرازيان .
وكذا لا يمكن أن نقارن بين الشيخ الفاضل المحدث مقبل بن هادي رحمه الله تعالي وعفا عنه ورفع درجته ، لا يمكن أن نقارن بينه وبين الذهبي مثلًا ، فضلًا عن البخاري وأحمد وابن المديني .
ولا أظن أن المهتمين بالعلم الشرعي يجهلون هذا ، فضلًا عن كل المشتغلين به .
أما كثير من أهل الديانة مع الجهل بالعلم الشرعي ، بل قل عامتهم ، فهم يقدمون تصحيح الشيخين مقبل أو الألباني رحمهما الله علي تضعيف أو تعليل الداراقطني مثلًا ، أو رد أحمد للحديث ، رحمهم الله جميعًا .
وقد قال الحاكم رحمه الله ما معناه وهو يتحدث عن الصحيحين:
إذا رأيت حديثًا ظاهره الصحة ولم يخرجاه ، فابحث له عن علة ، وهذا أظنه قاله في كتابه معرفة علوم الحديث فيما أذكر .
فإن قيل: إن الحاكم نفسه استدرك علي البخاري ومسلم آلاف الأحاديث في كتابه الموسوم بالمستدرك .
قلنا: كل مشتغل بالحديث يعلم أن الحاكم إنما بدأ في تصنيف المستدرك وهو في سن كبيرة ، وتواريخ إثبات السماعات لأجزاء المستدرك ثابتة علي صور المخطوطة ، وفي هذه السن كان قد طرأ عليه من التغير ما لا يخفي علي المنتسب للعلم ، لذا جاءت أحكامه علي الحديث متخبطة إلي حد كبير ، أما المتون فلم يطرأ عليها هذا الخلل لكونه يملي من أصوله التي كتبها حال يقظته وحفظه رحمه الله وعفا عنه .