الصفحة 9 من 18

و يظل أركون في المقدمة محاولا أن يشرعن لمشروعه النقدي في إعادة القراءة القرآنية، ويدعو القارئ إلى عدم التسرع في الحكم بكفر دراسته، داعيا إياه إلى العودة لأسس المنهج اللساني والتفكيكي والسيولوجي ومعرفة قواعده"نلتمس هنا طفرة معرفية في تحليل الخطاب الديني عامة، وهذه الطفرة لا تمس العقيدة في محتواها وممارستها، و إنما تحيلها إلى مستوى أوسع ومنظومة معرفية أكثر تفتحا وأشمل إحاطة بما أضافته الحداثة العلمية من نظريات وشروح وتأويلات واكتشافات ووسائل إحقاق الحق والحقيقة، أقول ذلك لكيلا يسارع القراء المؤمنون إلى رفض القراءات التي أقترحها للقرآن لأنها خارجة عن إطار ما أسميته بالتفسير الموروث، وهناك من يكفر هذه القراءات بناء لا على ما فهمه واجتهد من إدراك مقاصد المؤلف ولكن على أساس ما غاب عن فكره ومعلوماته إذا كان لم يكتشف بعد تعاليم اللسانيات والسيميائيات والانتربولوجيا والسوسيولوجيا الدينية والثقافية وعلم النفس التاريخي" [10]

وقد غيب أركون عن ذاكرته أن واحدة من هذه المناهج كافية لنسف القداسة عن النص الديني وتجريده من حرمته، والتعامل معه على أساس ذاتي مجرد عن سلطة المرجع وقناع الايدولوجيا"ومما يؤخذ على الدراسات السيميائية أن معظمها ينهج نهجا شكلانيا يستبعد المحددات الاجتماعية والثقافية، وبالتالي تقترب الدراسات السيميائية جدا من النهج البنيوي خاصة أنها كثيرا ما توظف المفردات السوسيرية مثل العلامة واللغة والنظام" [11]

وقد عمل أركون في الفصل الأول من كتابه موضوع الدراسة على إقناع القارئ بأن النصوص القرآنية لاقت اعتراضا من معاندي مكة ونظروا للنص القرآني على أنه كذبة، فتحولت هذه المماحكة إلى هالة قدسية للخطاب الديني.

ثم تبنى نظرية جماليات التلقي التي تساوي بين العلامة اللغوية عند (النصارى) وعند المسلمين، على نحو لا يمكن أن نفصل في قداسة النصوص الدينية الثلاثة وعلى الأخص الإنجيل والقرآن"إن الشيء الذي يقابل يسوع المسيح في الإسلام هو القرآن بصفته الكتاب المقدس الذي يحتوي على كلام الله الموحى به، و أما يسوع المسيح بصفته تجسيدا لكلمة الله، فإنه يشبه المصحف الذي تجسد فيه كلام الله" [12]

ويرى الباحث أحمد بوعود أن النقد الأركوني يبني معطياته أولًا على ضرورة الفصل بين الظاهرة القرآنية والظاهرة الدينية. فالأولى يقصد بها القرآن كحدث شفهي يتعين دراسته وفق قراءة تزامنية أولًا قبل وصله بنا ثانيًا. والثانية ضاربة بجذورها في التاريخ وملتبسة بالسياسة والايدولوجيا. ودور الباحث هو الوعي بضرورة التمييز بين الظاهرتين حتى تسهل مقاربة ظاهرة الوحي وفق منهج أنثروبولوجي مثلث الأضلع هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت