الصفحة 5 من 18

إليهم أفكارهم وآراءهم، وضمنها المبتعثون في أطروحاتهم الجامعية، وتبنوها مذهبا فكريا، ومنهجا لمعالجة النصوص الملفوظة، فوجد المستشرقون أن هذه الأدمغة العربية يمكنها اختراق الجدار الفكري والثقافي للعالم العربي والإسلامي، و التغلغل في الموروث الحضاري الإسلامي، دون إحداث ما يشير إلى مساهمة الغرب في هذا المفعول النشاطي، فتتحقق أهداف المستشرقين من خلال أبناء الدين واللغة.

ثالثا: محاكاة الثورة على الكنيسة: نتيجة لممارسة الكنيسة القامعة للحريات والعدالة الاجتماعية، ثار الغربيون على تعاليمها وهيبتها القدسية، ومزقوا صكوك الغفران، وسلبوا الرهبان صلبانهم وما تحميه الصلبان من زعامة سلطوية للقس، والتفت الثائرون لنصوص الإنجيل وتفسيرات الرهبان للنص المقدس، وما كانت تحمله هذه التفاسير من إذلال للفرد، وإلغاء لنشاطه الفكري، وحصره في بوتقة القس ورحمته؛ التي يطل من خلالها على أتباعه من برج عاجي، فأخضعوا التفاسير اللاهوتية جميعها للنقض أو البحث أو التمحيص. كان هذا السلوك الجمعي الغربي يجد صداه في المشرق العربي المسلم عند الحداثيين الذين راحوا يقلدون هذا المسلك ويسيرون في هذه السبيل.

أقسام المتعاملين مع النص الشرعي

القسم الأول: دعاة التجديد المطلق: وهم يدعون إلى القطيعة المعرفية مع التراث العربي الإسلامي، ويريدون إبادة الموروث الحضاري والفكري للأمة على حساب تبني العصرنة في شتى مناحي الحياة، وتقبل الحداثة بكل اشتقاقاتها، سلبية كانت أو إيجابية، وضرورة تبني قيم الحداثة الغربية باعتبارها قيما إنسانية؛ وحدوية، ودون تحفظ، بحجة أن الإيجابي ما سيعتنقه المؤيدون له، والسلبي سيلفظه الناس بلا مبالاة، ولم يكن دافعهم هذا انتقاصهم من الأصالة فحسب بل لاقتناعهم أيضا بأن الجديد هو ما يواكب روح العصر. و هؤلاء هم الحداثيون موضوع دراستنا.

القسم الثاني: دعاة الانعكاف على القديم: وهم يقدسون الماضي لأنه يحمل حضارة الإسلام، وشهد ولادة دولته، وفتوحاته، وأنجب عظماء الفكر والطب و الهندسة، وعرفت من خلاله المذاهب الفقهية الإسلامية التي سارت عليها الأجيال منذ قرون، ويتعللون بأن ما وصل منهم من مدونات نصية، لم تدع للمعاصرين مجالا للإبداع الإنساني، وساروا تحت مقولة"ماذا ترك الأول للآخر"، فيأبون التفكير في المعرفة الجديدة، و يرفضون كل جديد، وهؤلاء بلا منازعة يسكنون أطلالا في قفار بلا ماء.

القسم الثالث: التوسط بين الأصالة والمعاصرة: وهي حالة توازي بين الإفادة من الماضي المتسلح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت