ومن هذه الأفكار التي ابتليت بها الأمة وبدأ خطرها يظهر في ساحتنا مذهب فكري جديد يسعى لهدم كل موروث، والقضاء على كل قديم، والتمرد على الأخلاق والقيم والمعتقدات، وهذا المذهب أطلق عليه كهانه وسدنة أصنامه اسم (الحداثة) وأنا لن أستبق الأحداث، وأحاول أن أعرف بالحداثة، فما هذا الكتيب إلا تعريف بها في الجملة، وبيان لحكم الإسلام فيها، والذي دعاني للكتابة في هذا الموضوع أمور كثيرة من أهمها:
1-أن الله أخذ العهد على أهل العلم أن يبينوا الحق للناس ولذلك لا يمكن أن يطالب المسلم بالحيادية ودينه يحارَب، وقيمه تدمر، وعقيدته تنتقص، بل إن الولاء والبراء من أظهر فرائض الإسلام، في سبيله تلغى جميع الروابط الأرضية الأخرى، ويصبح الساكت عن البيان في هذه الحالة شيطانًا أخرس، وخاصة حين نعلم أن الله ربط بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين الإيمان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الإيمان عمن فرط في هذا الفريضة، وعلى الأخص حين يصبح المنكر ظاهرا، ينشر في الصحف، ويلقى في المنتديات، لم يعد أهله يستترون به، فإن الأمة ما لم ينبرِ منها من يرد المنكر ويقيم المعروف، يوشك أن يعمها الله بعقاب من عنده، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .
2-ولأن كثيرًا ممن كان المفترض فيهم من العلماء الأفاضل والمفكرين النابهين، أن يكونوا أول المتصدين لهذه الموجة الفكرية العارمة، وقفوا منها موقف المتفرج غير المبالي، أو ردوا عليها في مقالات محدودة في بعض الصحف، ثم نسي الأمر، وأنا أستثني هنا الكاتب الفاضل محمد عبد الله مليباري، وسهيلة زين العابدين، ومحمد المفرجي، فجزاهم الله خيرا، لجهدهم وجهادهم، وإنني حين تقدمت للمساهمة في هذا الموضوع لا أدعي أنني أول من يتصدى له، لكنني أرجو أن أكون بعملي هذا أيقظت الهمم ونبهت الغافلين، ممن هم أولى مني بهذا.