الصفحة 25 من 120

إن أول ما يصدم القارئ لأدب الحداثة هو تلفعه بعباءة الغموض، وتدثره بشعار التعتيم والضباب، حتى إن القارئ يفقد الرؤية ولا يعلم أين هو متجه، وماذا يقرأ: أهو جد أم هزل، حق أم باطل، بل يقطع أحيانًا بأن ما يقرأه ليس له صلة بلغة العرب: إمّا في الجمل والتراكيب وإن كانت المفردات عربية، أو حتى في المفردات الجديدة التي تدخل الاستعمال لتوها ولأول مرة.

إن من يقرأ أدب الحداثة يقع في حيرة من أمره لمن يكتب هؤلاء ، وماذا يريدون ؟ !

لقد عرضت إنتاج بعض هؤلاء الحداثيين على أساتذة الأدب في كلية اللغة العربية، لعلي أجد عندهم ما لم أجده في كتب اللغة والأدب حين وقفت عاجزة عن السماح لهذا الأدب بالدخول في دائرة الفكر المعقول، فضلًا عن الأدب الراقي الجميل المؤثر في النفوس، والمؤجج للعواطف، فوجدت أولئك الأساتذة أكثر حيرة.

فعدت أنقب في كتابات الحداثيين أنفسهم، حتى وجدت ما يشير بالتأكيد إلى غايتهم من هذا الغموض .

إن الغموض طغى حتى على عناوين قصائدهم وكتاباتهم، وها أنا ذا أورد نماذج من إنتاجهم، وأعقب بنقول تؤكد إصرارهم على الغموض، باعتباره علامة مميزة لفكرهم، ثم أبين غايتهم من هذا الغموض .

يقول رمزهم المبدع ـ كما يسمونه ـ عبد الله الصيخان في قصيدة حداثية نشرت في مجلة اليمامة عدد 896:

( قفوا نترجل

أو قفوا نتهيأ للموت شاهدة القبر ما بيننا يا غبار ويا فرس

يا سيوف ويا ساح يا دم يا خيانات

خاصرة الحرب يشملها ثوبها

كان متسخا مثل حديث الذي يتدثر بالخوص

كي لا يرى الناس سوأته

كنت أحدثكم

للحديث تفاصيله فاسمعوني

فقد جئت أسألكم عن رمال وبحر وغيم وسلسلة زبرجد )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت