وهكذا ابتدأ المنظر الفكري للحداثة العربية ينبش كتب التراث, ويستخرج كل شاذ ومنحرف من الشعراء والأدباء والمفكرين، مثل: بشار بن برد، وأبي نواس، لأن في شعرهم الكثير من المروق على الإسلام، والتشكيك في العقائد والسخرية منها، والدعوة للانحلال الجنسي . وحين يتحدث أدونيس عن أبي نواس وعمر بن أبي ربيعة، وعن سبب إعجاب الحداثيين بشعرهما، يقول:"إن الانتهاك ـ أي تدنيس المقدسات ـ هو ما يجذبنا في شعرهما، والعلة في هذا الجذب أننا لا شعوريًّا نحارب كل ما يحول دون تفتح الإنسان، فالإنسان من هذه الزاوية ثوري بالفطرة، الإنسان حيوان ثوري". انظر الثابت المتحول ج1 صفحة 216 . بل إنهم يعتبرون رموز الإلحاد والزندقة، أهل الإبداع والتجاوز، وأهل المعاناة في سبيل حرية الفكر والتجاوز للسائد، وألفوا في مدحهم القصائد والمسرحيات والمؤلفات، كما فعل صلاح عبد الصبور مع الحلاج ، الذي اعتبره شهيد الحرية، وضحية الظلم والطغيان والرجعية.
يقول عبد الحميد جيدة في (الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر) صفحة 98 ـ99:"الرافد الصوفي صُبّ في دائرة الشعر العربي المعاصر، ولونه بلونه الخاص، إن النفري والحلاج وذا النون وابن العربي، وغيرهم ، أثروا في أدونيس والسياب والبياتي ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور ومحمد عفيفي مطر، لذلك فإن القيم التي يضيفها الشعر الجديد إنما يستمدها من التراث الصوفي".
وهكذا بعد أن حاول الحداثيون العرب أن يوجدوا لهم جذورًا تاريخية عند فساق وزنادقة وملاحدة العرب في الجاهلية والإسلام، انطلقت سفينتهم غير الموفقة في العصر الحديث، تنتقل من طور إلى آخر، متجاوزة كل سيئ إلى ما هو أسوأ منه، فكان أول ملامح انطلاقتهم الحديثة هو استبعاد الدين تمامًا من معاييرهم وموازينهم، بل مصادرهم، إلا أن يكون ضمن ما يسمونه بالخرافة والأسطورة .