وقول السائل وغيره: هل هو حلال ؟ أو حرام ؟ لفظ مجمل فيه تلبيس ، ويشتبه الحاكم فيه حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه وذلك لأن الكلام في السماع وغيره من الأفعال على ضربين .
أحدهما: أنه هل هو محرم ؟ أو غير محرم ؟ بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التي تلتذ بها النفوس ، وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس وغيرها ، مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو ، لا لقصد العبادة والتقرب إلى الله .
والنوع الثاني: أن الله يفعل على وجه الديانة ، والعبادة ، وصلاح القلوب ، وتجريد حب العباد لربهم ، وتزكية نفوسهم ، وتطهير قلوبهم ، وأن تحرك من القلوب الخشية ،والإنابة ، والحب ورقة القلوب ، وغير ذلك مما هو جنس العبادات ، والطاعات ، لا من جنس اللعب والملهيات .
فيجس الفرق بين سماع المتقربين ، وسماع المتلعبين ، وبين السماع الذي يفعله الناس في الأعراس ، والأفراح ، ونحو ذلك من العادات وبين السماع الذي يفعل لصلاح القلوب ، والتقرب إلى رب السماوات فإن هذا يسأل عنه: هل هو قربة وطاعة ؟ وهل هو طريق إلى الله ؟ وهل لهم بد من أن يفعلوه لما فيه من رقة قلوبهم ،وتحريك وجدهم لمحبوبهم ، وتزكية نفوسهم ، وإزالة القسوة عن قلوبهم ، ونحو ذلك من المقاصد التي تقصد بالسماع ؟ كما أن النصارى يفعلون مثل هذا السماع في كنائسهم على وجه العبادة والطاعة ، لا على وجه اللهو واللعب .
إذا عرف هذا فحقيقة السؤال ( [47] ) هل يباح للشيخ أن يجعل هذه الأمور التي هي: أما محرمة ؟ أو مكروهة ؟ أو مباحة ؟ قربة وعبادة وطاعة ، وطريقة إلى الله يدعوا بها إلى الله ، ويتوب العاصين ، ويرشد به الغاوين ، ويهدي به الضالين .
ومن المعلوم أن الدين له (( أصلان ) )فلا دين إلا ما شرع الله ، ولا حرام إلا ما حرمه الله . والله تعالي عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله ، وشرعوا دينًا لم يأذن به الله ...) ( [48] ) .اهـ.