وأنا أذكر أمرين من وسائل الدعوة - على وجه التمثيل لا الحصر - اشتد إنكار السلف لهما مع ما فيها من النفع . وذلك لأنهما لم يكونا من وسائل الدعوة النبوية ، وإنما أحدثا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم طالب الحق أن السلف مضوا على القول بتوقيف وسائل الدعوة .
· الأمر الأول: حديث القصاص:
قال ابن الجوزي:
( القاص هو الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها ، والشرح لها ، وذلك القصص .
وهذا في الغالب عبارة عمن يروى أخبار الماضين .
وهذا لا يذم نفسه ، لأن في إيراد أخبار السالفين عبره لمعتبر وعظة لمزدجر واهتداء بصواب لمتبع.
وإنما كره بعض السلف القصص لأحد ستة أشياء:
أحدهما أن القوم كانوا علي الإقتداء والإتباع فكانوا إذا رأو ما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكروه ) ( [40] ) .اهـ.
وقال الحافظ زين الدين العراقي - رحمه الله تعالى - في كتابه المسمى: (( الباعث علي الخلاص من حوادث القصاص ) )بعد أن ساق حديث العرباض بن سارية المشهور:
فكان مما أحدث بعده صلى الله عليه وسلم ما أحدثه القصاص بعده ، مما أنكره جماعة من الصحابة عليهم كما سيأتي .
وفي الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) )
وروى ابن ماجه في سنده عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال:
(( لم يكن القصص في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر ) ).
وروى الإمام أحمد والطبراني عن السائب بن يزيد ، قال (( إنه لم يكن يقص على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر ) ).
وروى الطبراني عن عمرو بن زرارة قال:
وقف علي عبد الله بن مسعود وأنا أقص . فقال (( يا عمرو ! لقد ابتدعت بدعة ضلالة ، أو إنك لأهدى من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ) ( [41] ) . اهـ.
وأخرج ابن وضاح في كتابه (( البدع والنهى عنها ) ) ( [42] ) بسنده إلى الضحاك أنه قال:
(( رأيت عمر بن عبد العزيز يسجن القصاص ، ومن يجلس إليهم ) ).
وفيه - أيضًا - عن همام بن الحارث التيمي قال: