الأول: إن اللائق بما قبل هذه الآية وبعدها ليس إلا هذا المعنى، أما ما قبل هذه الآية فإنّه تعالى قال: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ) ) [المائدة:51] وليس المراد لا تتخذوا اليهود أئمةً متصرّفين في أرواحكم وأموالكم؛ لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة، بل المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أحبابًا وأنصارًا، ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ) [المائدة:55] الموصفون، والظاهر أن الولاية المأمور بها ههنا هي المنهي عنها فيما قبل، ولما كانت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة؛ كانت الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة. وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) [المائدة:57] فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة، فكذلك الولاية في قوله: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ ) ) [المائدة:55] يجب أن تكون بمعنى النصرة، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرتها قطع بأن الولي في قوله: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ ) ) [المائدة:55] ليس إلا بمعنى الناصر والمحب، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإمام؛ لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط، ويجب تنزيه الله تعالى عنه.
الحجة الثانية: إنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورون في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية؛ لأن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ما كان نافذ التصرّف حال حياة الرسول، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية في الحال، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين، فلا بد وأن تكون موالاة هؤلاة المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والإثبات متواردين على شيء واحد، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها) اهـ.
قلت: وأما إذا ادعى أحد أن الآية دالّة على إمامة علي، لكن ليس في حال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بل فيما بعد ذلك، فقد أجاب عنه الرازي وقال: (ومتى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت) اهـ.
هذا هو سياق الآية فيما قبلها وبعدها، وقد تقدمت رواية ابن إسحاق في نزولها جميعًا في عبادة بن الصامت. فبعد ذلك تكون دعوى فصل هذه الآية عما قبلها من الآيات من الحماقة والجهل، خصوصًا بعد ما ذكرناه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام الإمام الرازي رحمهما الله تعالى في سياق الآيات، فقد ادعى ذلك هذا الموسوي في (المراجعة 44) (ص:183) ولم يكتف بذلك، بل جعل الآية التي قبلها في علي أيضًا، وهي قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) [المائدة:54] ونسب قول ذلك إلى عليّ رضي الله عنه نفسه، وإلى الباقر والصادق، وإلى آخرين غيرهم، لكنّه لم يذكر مستنده في ذلك لا موضعه ولا إسناده كعادته في التدليس فيما يسوقه من الأدلة، ونحن نطالبه أو من ينوب عنه بذكر إسناد واحد صحيح يؤيد نزول هذه الآية في عليّ، وقد احتج على ذلك بروايته عن أئمة العترة، وادعى إجماع الشيعة عليه، ولم يصنع بذلك شيئًا، فإنّه يستدل بموضع النزاع، وهذا ليس من صنيع أهل العلم، فمتى كان قول أئمة العترة المنقول من قبل الشيعة وإجماع الشيعة حجة عندنا حتى يستدل به علينا؟!