الصفحة 50 من 366

قلت: يريد في بداية كلامه هذا أن يبين أن هذه الآية متعلقة بسياق الآيات قبلها وبعدها، وقد جاء ذلك مصرحًا به في سبب نزول الآيات قبلها - ومعها هذه الآية- فيما أخرجه ابن إسحاق في (السيرة) (1) . أنها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه حين تبرأ من حلف اليهود ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، إذ قال: (يا رسول الله أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم) بينما بقي عبد الله بن أبي ابن سلول على حلفهم وولايتهم وكان له من حلفهم مثل الذي لعبادة بن الصامت رضي الله عنه، ففي ذلك نزلت الآيات من سورة المائدة: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) [المائدة:51] إلى قوله: (( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ ) ) [المائدة:56] .

ومثل هذه القصة ذكرها الطبري في (تفسيره) (6/177-178) أيضًا فراجعها.

وهذا الرجل إنما يذكر هذه الآية يريد أن يستدل بها على ولاية علي رضي الله عنه، فقد قال في (المراجعة 40) (ص:179-180) ما نصّه: (تعلم أن الولي هنا هو الأولى بالتصرف، كما في قولنا: فلان وليّ القاصر. وقد صرح اللغويون بأن كل من وليَ أمرَ واحدٍ فهو وليّهُ، فيكون المعنى: أن يلي أموركم فيكون أولى بها منكم إنما هو الله عزّ وجلّ ورسوله وعليّ؛ لأنه هو الذي اجتمعت فيه هذه الصفات؛ الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حال الركوع، ونزلت فيه الآية، وقد أثبت الله فيها الولاية لنفسه تعالى ولنبيّه ولوليّه على نسق واحد. وولاية الله عزّ وجلّ عامة، فولاية النبي والولي مثلها وعلى أسلوبها، ولا يجوز أن يكون هنا بمعنى النصير أو المحب أو غيرهما، إذ لا يبقى لهذا الحصر وجه كما لا يخفى) اهـ.

قلت: فقد رتّب استنتاجه على مقدمتين؛ الأولى: ما ذكره من اجتماع هذه الصفات في علي رضي الله عنه وهي الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة حال الركوع ونزول الآية فيه، وفيما تقدم من كلامنا على روايات نزول هذه الآية يتبين لنا بطلان قوله هذا، وأن قضية إيتاء الزكاة حال الركوع خرافة لا أساس لها من الصحة، وهو فعل أحمق ينزه عنه علي رضي الله عنه، وأن رواية سبب نزول الآية في ذلك رواية مكذوبة لا تصحّ، كما تقدّم تفصيل ذلك.

المقدمة الثانية: زعمه أن معنى (الولي) هو (الأولى) وقصره معنى الولي بالمتصرف، وهو تضليل منه، فإن (الولي) في اللغة يأتي بمعنى النصير والمحب، وسنفصل ذلك في الردّ على المراجعة (38) إن شاء الله، وقال شيخ الإسلام (439) : (وأما الموالاة فقد قال تعالى:(( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [التحريم:4] فبين الله أن كل صالح من المؤمنين فهو مولى رسول الله، والله مولاه، وجبريل مولاه، وليس في كون الصالح من المؤمنين مولى أن يكون متوليًا على رسول الله ولا متصرفًا فيه، وقال تعالى: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) ) [التوبة:71] فكل مؤمن تقي فهو ولي الله والله وليه، قال تعالى: (( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) ) [البقرة:257] وقال: (( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) ) [يونس:62] وما في هذه الآيات أن من كان ولي الآخر كان متوليًا عليه دون الناس، والفرق بين الوِلاية -بكسر الواو- والوَلاية -بفتح الواو- معروف، فالأمير يسمى (الوالي) ولا يسمى (الوليّ) واختلف الفقهاء إذا اجتمع في الجنازة الوالي والولي أيهما يقدم؟ فالموالاة ضد المعاداة) اهـ.

وقد ذكر الرازي رحمه الله في (تفسيره الكبير) استشهاد الشيعة بهذه الآية، وبين بطلانه، وردّ عليهم في ثمان حجج (12/28-32) ، فكان مما قال في معنى (الولي) في الآية: (لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في هذه الآية الناصر والمحب؟ ونحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا المعنى أولى من حمله على معنى المتصرف ثم نجيب عمّا قالوه، فنقول: الذي يدل على أن حمله على(الناصر) أولى وجوه:

(1) انظر (سيرة ابن هشام) (3/51-53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت