قلت: وأما حمل لفظ (الزكاة) على (الصدقة) فبعيد وخلاف الأصل، قال القرطبي (6/144) : (وحمل لفظ الزكاة على التصدق بالخاتم فيه بعد؛ لأن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة المفروضة، على ما تقدم بيانه في أول سورة البقرة، وأيضًا فإن قبله:(( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) ) [التوبة:71] ومعنى (يقيمون الصلاة) يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقها، والمراد صلاة الفرض، ثم قال: (( وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ) [المائدة:55] أي: النفل) اهـ.
وقال الرازي في (تفسيره الكبير) (12/32-33) : (وأما استدلالهم بأن هذه الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في حق الأمة -قلت: وهو يردّ ما زعمه هذا الموسوي من إجماع المفسرين على نزولها في علي- والمراد أن الله تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين، ومنهم من يقول: إنها نزلت في حق أبي بكر، وأما استدلالهم بأن الآية مختصّة بمن أدى الزكاة في الركوع حال كونه في الركوع، وذلك هو عليّ بن أبي طالب، فنقول: هذا أيضًا ضعيف من وجوه:
الأول: أن الزكاة اسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى: (( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) ) [البقرة:43] فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجبة عن أول أوقات الوجوب، وذلك عند أكثر العلماء معصية، وإنه لا يجوز إسناده إلى علي عليه السّلام. وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل؛ لما بينا أن قوله: (( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) ) [المائدة:55] ظاهره يدل على أن كل ما كان زكاةً فهو واجب.
الثاني: وهو أن اللائق بعليّ عليه السّلام أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة، والظاهر أن من كان كذلك فإنّه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ولفهمه، ولهذا قال تعالى: (( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) ) [آل عمران:191] ومن كان قلبه مستغرقًا في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير؟
الثالث: أن دفع الخاتم في الصلاة للفقير عمل كثير، واللائق بحال علي عليه السّلام أن لا يفعل ذلك.
والرابع: أن المشهور أنه عليه السّلام كان فقيرًا ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه.. إلى آخر كلامه رحمه الله). اهـ
الوجه الرابع: ثم قال شيخ الإسلام (ص:437-438) : (ثم إن الآية بمنزلة قوله تعالى:(( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) ) [البقرة:43] وكقوله تعالى: (( اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) ) [آل عمران:43] ).
وقال الرازي (12/28) : (وأما قوله:(( وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ) [المائدة:55] ففيه على هذا القول وجوه:
الأول: قال أبو مسلم: المراد من الركوع الخضوع يعني انهم يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لجميع أوامر الله ونواهيه.
الثاني: أن يكون المراد: من شأنهم إقامة الصلاة، وخصّ الركوع بالذكر تشريفًا له، كما في قوله: (( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) ) [البقرة:43] .
الثالث: قال بعضهم: إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفين في الصفات، منهم من قد أتمّ الصلاة، ومنهم من دفع المال إلى الفقير، ومنهم من كان بعدُ في الصلاة وكان راكعًا، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات لا جرم ذكر الله تعالى كل هذه الصفات) اهـ.
الوجه الخامس: قال شيخ الإسلام (ص:438) : (ثم من المعلوم المستفيض عند المفسرين أنها نزلت في النهي عن موالاة الكفار ووجوب موالاة المؤمنين، وسياق الكلام يدلّ على ذلك لمن تدبر، فإنّه تعالى قال:(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) [المائدة:51] فهذا نهي عن موالاة اليهود والنصارى، ثم قال: (( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) ) [المائدة:52] إلى أن قال: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ ) ) [المائدة:55] فهذا وصف عام للمؤمنين ولا بد، لكن علي وأبو بكر والسابقون أولى الأمة بالدخول فيها، ومن تأمل الحديث ووزنه لاح له كذبه، ولو كان حقًا لكان من خذله ومنعه حقه من النصر مخذولين، ولم يكن الأمر كذلك، بل نصروا وافتتحوا البلاد، فارس والروم والقبط، فالشيعة يدّعون أن الأمة كلها خذلته إلى أن قتل عثمان، ومن المعلوم أن الأمة -إلى أن قتل عثمان- كانت منصورة نصرًا عظيمًا لم ينصر بعده مثله أبدًا، فلما قتل عثمان تفرقت الأمة، فحزب مع علي وحزب عليه، وحزب انعزلوا لا له ولا عليه) اهـ.