ومنها أيضًا: ما أخرجه ابن جرير (6/180) ، وابن أبي حاتم (1) من طريق علي بن أبي طلحة الوالي عن ابن عباس في هذه الآية قال: يعني من أسلّم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا.
وقاصمة الظهر بالنسبة لهذا الموسوي التي يخالف فيها أصله ومذهبه ما روي عن أبي جعفر الباقر فيما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر (2) ، أنه سئل عن هذه الآية: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قيل له: بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال: علي من الذين آمنوا. وأخرجه أيضًا أبو نعيم في (الحلية) (3/185) عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: (سألت أبا جعفر محمّد بن علي عن قوله تعالى:(( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ) [المائدة:55] الآية، قال: أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم، قلت: يقولون عليّ؟ قال: عليّ منهم). قلت: وإسناده صحيح إلى أبي جعفر لولا شيخ أبي نعيم وهو أبو حامد بن جبلة، فلم أجد له ترجمة.
هذا هو ما جاء في سبب نزول هذه الآية مما يوافق ما قاله، وأنت ترى أن ليس فيها ما يمكن الاعتماد عليه، فهي كلها من طريق مكذوب أو منكر أو ضعيف أو منقطع، علاوةً على ما جاء في سبب نزولها مما يخالف ما قاله تمامًا مع رجحان صحتها عليه.
وقد سقت جميع الطرق التي ذكرها أو أشار إليها وزدت عليها غيرها، وهي جميعها لا تغني في ميزان الحق شيئًا. لكن أضيف هنا أن حديث عبد الله بن سلام الذي أشار إليه ورددنا عليه في بداية كلامنا هذا، رأيت الفخر الرازي قد ذكره في (تفسيره) (12/28) مختصرًا ودون الكلام على إسناده طبعًا، وحتى دون أن يذكر من أخرجه، ولا أظن ذلك يغير من كلامنا عليه شيئًا من أنه في الحقيقة من حديث ابن عباس، لكن جاء فيه ذكر ابن سلام، وإلا إن كان غيره فلا حجة فيه أيضًا لعدم معرفة مخرجه أولًا، وإسناده ثانيًا، مع القطع أنه ليس عند النسائي كما زعم.
وبعد أن انتهينا من الكلام على طرق هذه القصة وأسانيدها في سبب نزول هذه الآية وبينا كذبها؛ لا بد من التعريج -ولو بشيء بسيط- على وجه استدلاله بها وبلفظ الآية، وبيان أن ذلك غير ممكن ولا يحتمله لفظ الآية، لكن قبل ذلك نذكر وجه رد هذه القصة من لفظها ومتنها وما فيه من النكارة، وما في لفظ الآية مما يمنع استدلاله بها على مطلوبه؛ مستفيدين ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن المطهر الحلي في (منهاج السنّة) (3) ، ومن كلام غيره من المفسرين، فنقول:
الوجه الأول: قال شيخ الإسلام (437) : (ولو كان المراد بالآية أن يؤتي الزكاة في حالة الركوع؛ لوجب أن يكون ذلك شرطًا في الموالاة ولا يتولى إلا عليًا فقط، فلا يتولى الحسن ولا الحسين) ، قلت: يعني لأنهما لم يفعلا ذلك من إتيان الزكاة حال الركوع، فمن أين يقال: أن الآية تشملهم؟
(لوجه الثاني: ثم قال شيخ الإسلام(437) : (وأيضًا فلا يثنى على المرء إلا بمحمود، وفعل ذلك في الصلاة ليس بمستحب، ولو كان مستحبًا لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحضّ عليه ولكرر عليّ فعله، وإن في الصلاة لشغلًا، فكيف يقال: لا ولي لكم إلا الذين يتصدقون في حال الركوع؟) وقال ابن كثير في (التفسير) (2/71) : (وأما قوله(( وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ) [المائدة:55] فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: (( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) ) [المائدة:55] أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممّن نعلمه من أئمة الفتوى) اهـ. وقال القرطبي في (تفسيره) (6/144) : (ويحتمل أن يكون المدح متوجهًا على اجتماع حالتين، كأنه وصف من يعتقد وجوب الصلاة والزكاة فعبر عن الصلاة بالركوع وعن الاعتقاد للوجوب بالفعل، كما نقول: المسلمون هم المصلّون، ولا نريد أنهم في تلك الحال مصلّون، ولا يوجّه المدح حال الصلاة، فإنما يريد من يفعل هذا الفعل ويعتقده) اهـ.
الوجه الثالث: قال شيخ الإسلام: (ثم قوله:(( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) ) [المائدة:55] يدل على وجود زكاة، وعليّ ما وجبت عليه زكاة قط في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنّه كان فقيرًا، وزكاة الفضة إنما تجب على من ملك النصاب حولًا، وعليّ لم يكن من هؤلاء، ثم إعطاء الخاتم في الزكاة لا يجزئ عند الأكثر)، وقال أيضًا (ص:71) : (وفي حديثهم أنه أعطاه سائلًا والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداءً وعلى الفور) .
(1) تفسير ابن كثير) (2/68) ، (الدر المنثور) (3/106) .
(2) الدر المنثور) (3/106) .
(3) وراجع أيضًا (المنتقى من منهاج الاعتدال) (ص:437-439) .