الصفحة 47 من 366

وروى حديث ابن عباس أيضًا عبد الرزاق (1) ، من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس. قال ابن كثير: (عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به) ، قلت: قال عنه الحافظ في التقريب: متروك، وكذبه الثوري. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ترك حديثه.. فهو خبر موضوع إذن.

وبالإضافة إلى ابن عباس فقد روي هذا الحديث من طريق غيره، قال ابن كثير في (التفسير) (2/68) : (ثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه، وعمار بن ياسر وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها) اهـ.

قلت: وعزاه السيوطي أيضًا في (الدر المنثور) (3/105) لأبي الشيخ وابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب. وهو الذي نقله هذا الموسوي وأعرض عما قاله الحافظ ابن كثير في إسناده. ويكفينا ذلك في رده، وإلا فليأتنا بإسناده وموضعه إن كان صادقًا، وأنى له ذلك؟ بل حتى لو لم يقل ذلك عنه ابن كثير فلا يمكن الاحتجاج بمثل دون معرفة إسناده، فلا يكفي في صحة الحديث وجوده في أي كتاب حتى ننظر في إسناده، اللهم إلاّ ما كان من شأن الصحيحين. وبخلاف ما قلناه يكون كمن يحطب بليل يحمل حزمة الحطب ولا يعلم بالأفعى التي فيها.

وأما حديث عمار بن ياسر، فقد أخرجه بالإضافة إلى ابن مردويه الطبراني في (الأوسط) (2) ، وقال السيوطي: بسند فيه مجاهيل. قلت: وهو يقول ذلك رغم تساهله في التصحيح مما يعرف عنه، ولم يكتف بمجهول واحد، بل مجاهيل مما يزيد توهين الحديث.

وأما حديث أبي رافع فبالإضافة إلى ابن مردويه أيضًا أخرجه الطبراني في الكبير (955) ، وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (3/106) لأبي نعيم. وإسناده ضعيف جدًا، بل منكر فيه محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، قال الحافظ في التقريب: ضعيف. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جدًا ذاهب. وقال الدارقطني: متروك.. وفي إسناده أيضًا يحيى بن الحسن بن فرات، ولم أجد له ترجمة. ثم إن عند بعض رجال إسناده تشيعًا، فلا يقبل خبرهم في فضائل علي رضي الله عنه.

بقي من الأحاديث التي ساقها حديث أبي ذر عند الثعلبي في (تفسيره) ، ولم يذكر إسناده عمدًا في إخفاء ضعفه، ولا يمكننا الاعتماد على وجوده فقط دون النظر في إسناده، خصوصًا وقد بينا مما سقناه عن ابن عباس وغيره أنه مع وجوده وذكره في الكتب ففي إسناده أناس متهمون بالكذب، وخصوصًا وقد قدمنا حال الثعلبي وتفسيره وكثرة روايته الموضوعات.

ثم نحن نرد على حديثه بما رد به شيخ الإسلام ابن تيمية على ابن المطهر الحلي في (منهاج السنّة) ، وقد ساق نفس الحديث وبدون إسناد أيضًا، فقال شيخ الإسلام (3) : (... وإن الخبر كاذب، وفي تفسير الثعلبي من الموضوعات ما لا يخفى، وكان حاطب ليل، وكذا تلميذه الواحدي) . قلت: ومصداق ذلك عن الواحدي ما سبق من حديث ابن عباس الذي رواه هو في سبب نزول هذه الآية، وهو مكذوب كما مرّ.

ثم قال شيخ الإسلام في رده (ص:437) : (ثم هبك اعتضدت بالثعلبي، فقد نقل الثعلبي عن ابن عباس قال: إنها نزلت في أبي بكر. ونقل عن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر الباقر عن الآية فقال: هم المؤمنون، قلت: فإن أناسًا يقولون هو عليّ، فقال علي من الذين آمنوا. وعن الضحاك مثله. وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال: كل من أسلم فقد تولّى الله ورسوله والذين آمنوا. ثم نعفيك من ادعائك الإجماع ونطالبك بسند واحد صحيح) اهـ.

قلت: وصدق شيخ الإسلام، وها نحن نقول لكلّ من ينتحل نحلته: نعفيكم من ادعائكم الإجماع ونطالبكم بإسناد واحد صحيح يثبت ذلك.

وهناك آثار في ذلك يمكن أن يستدل بها، وإن كان لم يذكرها، لكننا نشير إليها حتى نبين ما فيها، وهي كلها بين ضعيف لا يثبت عن قائله، إلى قول ليس بحجة في ذلك عند أحد كقول سلمة بن كهيل والسدّي، وإلى قول غير صريح في ذلك كقول عتبة بن حكيم -أو ابن أبي حكيم- عن المقصودين في الآية، قال: هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب. وأخرج الطبري في (تفسيره) (6/180) من طريق غالب بن عبيد الله عن مجاهد به. وغالب هذا متروك الحديث كما قال أبو حاتم والنسائي، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بثقة.

وحتى لا يحتج أحد بهذه الآثار على مطلوبه الباطل نقول: قد جاءت آثار أخرى في المعنيين بالآية تخالف هذه الآثار وليست هذه بأولى بالقبول من تلك.

فمن ذلك ما أخرجه ابن جرير (6/180) ، وابن أبي حاتم (4) عن عطية بن سعد قال: نزلت في عبادة بن الصامت: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ) [المائدة:55] الآية.

وأيضًا تلك الآثار التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا كله يبين كذب هذا الموسوي في ادعائه الإجماع على ذلك.

(1) ابن كثير) (2/68) ، (الدر المنثور) (3/105) (أسباب النزول) للسيوطي (ص:73) .

(2) الدر المنثور) (3/105) ، (أسباب النزول) للسيوطي (2/73) .

(3) المنتقى) (ص:437) .

(4) الدر المنثور) (3/104) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت