ثم دعواه أن هناك (24) حديثًا من طريق الجمهور -كذا قال- في نزولها بذلك، لا يختلف عما سبق من إدّعاءاته الباطلة التي لا أساس لها من الصحة، وإلا فليذكرها وهو في موضع خصومة ومراجعة، وأحوج إلى ذكرها تدعيمًا لقوله، فعلم بذلك كذبه وأكثر ما وجد في ذلك مع الآثار المروية فيها لا يبلغ نصف هذا العدد، وقد استقصاها السيوطي في (الدرّ المنثور) وفي (أسباب النزول) أيضًا، وهذا الرجل ممن يعد الحديث الواحد حديثين إذا تكرر ذكره في موضعين بنفس اللفظ وبنفس الإسناد، كما مر بنا في حديث أبي سعيد الخدري في المراجعة (8) صفحة (49) هامش (3) ، مما يؤيد أنه لا ينظر في إسناد الحديث، وإن نظر فلا يعره اهتمامه، بل همّه ذكر ما يهواه بأي شكل كان، وهذا لعمري هو الجهل بعينه، وهذا أوان الكلام على ما ادعاه في سبب نزول هذه الآية (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ... ) ) [المائدة:55] الآية، وما ساقه من الأحاديث وغيرها في ذلك، فأقول:
أمّا زعمه رواية عبد الله بن سلام في حديثه لهذه القصة فباطل؛ لأن ابن سلام ليس له مثل هذا الحديث، لكن جاء ذكره في حديث ابن عباس في هذه القصة وأنه السبب في ذلك، وليس هو من روايته بل من رواية ابن عباس فظنه الجاهل أنه حديث ينسب إلى ابن سلام، أو أنه تعمد ذلك رغبة في تكثير عدد الأحاديث التي يحتج بها، ثم إن عزوه للنسائي باطل أيضًا -كما قدمنا- ونحن نطالبه أو من ينوب عنه بموضعه وإسناده، وهو حتى لم يذكره سلفه ابن المطهر الحلي، وهو أحوج ما يكون اليه وأما حديث ابن عباس هذا -الذي فيه ذكر ابن سلام- فقد أخرجه ابن مردويه (1) والواحدي في أسباب النزول (ص:148-149) ، من طريق محمّد بن مروان -وهو السدي الصغير- عن محمّد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (أتى عبد الله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عند الظهر، فقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا قاصرة لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد، وإنّ قومنا لما رأونا قد صدقنا الله ورسوله، وتركنا دينهم أظهروا العداوة، وأقسموا أن لا يخالطونا ولا يؤاكلونا فشقّ ذلك علينا، فبينا هم يشكُون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ) [المائدة:55] ونودي بالصلاة صلاة الظهر، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فنظر سائلًا فقال: أعطاك أحد شيئًا؟ قال: نعم، خاتمًا من ذهب. قال: مَن؟ قال: ذاك الرجل القائم. قال: على أي حال أعطاكه؟ قال: وهو راكع. قال: وذلك عليّ بين أبي طالب، فكبّر النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم قرأ: (( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ ) ) [المائدة:56] اهـ.
وهو حديث موضوع مكذوب بلا شك في إسناده كذّابان: الأول: محمّد بن مروان السدي الصغير، وهو متّهم بالكذب، والآخر: محمّد بن السائب الكلبي، وهو متهم بالكذب أيضًا (2) . وأخرجه من حديث ابن عباس أيضًا الخطيب في (المتفق) (3) وليس هناك ما يدل على إسناده سوى ما ذكره صاحب المنتخب من أن فيه المطلب بن زياد، قال أبو حاتم: لا يُحتج به. وقال ابن سعد: ضعيف. فلا حجة فيه؛ ذلك لعدم معرفة إسناده بالكامل أولًا، ولتيقن الضعف فيه ثانيًا. هذا وقد نقله صاحبنا من (منتخب كنز العمال) ولم يذكر الضعف الذي في إسناده، وهو ما نبهنا عليه من تعمده في إخفاء حال ما يسوقه من الأحاديث.
وأخرج حديث ابن عباس أيضًا ابن مردويه (4) ، من طريق الثوري عن أبي سنان عن الضحاك عن ابن عباس به. وقال ابن كثير: (الضحاك لم يلقَ ابن عباس) قلت: وهو الضحاك بن مزاحم، وليس له رواية عن أحد من الصحابة، فالحديث على هذا منقطع ضعيف لا يدري ممن أخذه الضحاك ونسبه إلى ابن عبّاس، وقد أنكر الضحاك نفسه أنه لقي ابن عباس، كما في (المراسيل) لابن أبي حاتم (ص:63) . هذا فيما بدا لنا من إسناده من الثوري فصاعدًا، أما فيما بين ابن مردويه إلى الثوري فلا نعلم عنه شيئًا، وربما فيه علّة أخرى توجب ضعفه، ولا يغفلنّ أحد عن أن من شروط صحة الحديث اتصال سنده، وخلوه من الانقطاع وهو ما لم يتوفر هنا.
(1) انظر: تفسير ابن كثير (2/68) ، الدر المنثور (3/105-106) ، أسباب النزول للسيوطي (ص:73) .
(2) راجع (تقريب التهذيب) .
(3) الدر المنثور) (3/104) (منتخب كنز العمال) (5/38) .
(4) ابن كثير) (2/68) (الدر المنثور) (3/105) .