قلت: وقد أعاد هذا الموسوي الاستدلال بهذه الآية -بالتفصيل- في (المراجعة-40-) من كتابه (ص:178-180) وقال: (والصحاح -في نزولها بعليّ إذ تصدق بخاتمه وهو راكع في الصلاة- متواترة عن أئمة العترة الطاهرة، وحسبك مما جاء نصًا في هذا من طريق غيرهم حديث ابن سلام مرفوعًا إلى رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم، فراجعه في صحيح النسائي، أو في تفسير سورة المائدة من كتاب الجمع بين الصحاح الستة. ومثله حديث ابن عباس، وحديث علي مرفوعين أيضًا. فراجع حديث ابن عباس في تفسير هذه الآية من كتاب أسباب النزول للواحدي، وقد أخرجه الخطيب في المتفق، وراجع حديث عليّ في مسنديّ ابن مردويه وأبي الشيخ، وإن شئت فراجعه في كنز العمال. على أن نزولها في علي مما أجمع المفسرون عليه، وقد نقل إجماعهم هذا غير واحد من أعلام السنة كالإمام القوشجي في مبحث الإمامة من شرح التجريد، وفي الباب(18) من غاية المرام (24) حديثًا من طريق الجمهور في نزولها بما قلناه، ولولا مراعاة الاختصار وكون المسألة كالشمس في رابعة النهار لاستوفينا ما جاء فيها من صحيح الأخبار، ولكنّها -والحمد لله- مما لا ريب فيه ومع ذلك فإنا لا ندع مراجعتنا خالية مما جاء فيها من حديث الجمهور، مقتصرين على ما في تفسير الإمام أبي إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي، فنقول: أخرج عند بلوغه هذه الآية في تفسير الكبير بالإسناد إلى أبي ذر الغفاري قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم بهاتين وإلا صمَتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول: (علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله) ، أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فسأل سائل المسجد... الحديث.
قلت: ذكره إجماع المفسرين على ذلك من أعظم الدعاوي الكاذبة، بل أجمعوا على أنها لم تنزل في علي بخصوصه، وأن الخبر كاذب كما سنبينه. وقبل الكلام عليه لا بد من التنبيه على ما في كلامه من الجهل والتدليس بل والكذب، فبالإضافة إلى ادعائه إجماع المفسرين على ذلك -وهذه كتب التفسير جميعًا تحكي كذبه في ذلك، ومن ذكرها منهم فإنما ذكرها لتبيين خطئها- أقول: بالإضافة إلى ذلك جهله في تسمية كتب الحديث؛ مثل تسميته لسنن النسائي (صحيح النسائي) أو أنه قال ذلك عمدًا تدليسًا منه لتقوية كلامه بالباطل، وإلا فلا يقول كلامه هذا رجل نظر في كتب الحديث فضلًا عن دراستها، ثم إن حديث عبد الله بن سلام الذي ساقه ليس هو عند النسائي في سننه الصغرى المطبوعة والمعروفة بالمجتبى، أما سننه الكبرى فلم تكن مطبوعةً في حينها، ولا أظنه إلاّ أراد الأولى بقرينة كتاب (الجمع بين الصحاح الستة) ، ثم هذا الكتاب الآخر لم يبين ما هو ولمن هو، ويمكننا الاستغناء عنه بكتاب (التاج الجامع للأصول) وهو يجمع أحاديث خمسة كتب، وهي: الصحيحان وسنن أبي داود والترمذي والنسائي. ولم يذكر فيه هذا الحديث أيضًا مما يبين كذبه في نسبته للنسائي، وإلا لو كان صادقًا لذكر لنا إسناده وفي أي موضع هو من (سنن النسائي) أو (صحيح النسائي) كما سمّاه! وهذا الرجل ممن يحكم هواه حتى في حكمه على الأحاديث وعلى كتب الحديث، فلو رأى في سنن النسائي حديثًا لا يرضاه أو يخالف هواه لسمّاه ربما كتاب الموضوعات للنسائي؛ إمعانًا في تشويه الحقائق، ثم انظر إلى طريقته القاصرة في تخريج الأحاديث، إذ يذكر مخرجها ولا يذكر موضعها من الكتاب، ولا يسوق إسنادها أيضًا، وهو إنما يأتي بها اعتمادًا على كتب أخرى ولا يصرح بذلك، بل ربما عزا الحديث إلى مخطوطة لم تطبع ولا يدري ما يصنع، كما فعل في عزوه حديث عليّ إلى مسندي ابن مردويه وأبي الشيخ، وإنّما نقل ذلك -في الغالب- من كتاب (الدر المنثور) للسيوطي كما سنبينه في موضعه، ثم إن السيوطي لم يسمّه مسند ابن مردويه ولا يعرف بذلك والله أعلم، وانما هو (تفسير ابن مردويه) وغير ذلك من تخريجاته؛ ذلك إنه لا يهتم بإسناد ما يسوقه وإنما يكتفي عنده في صحته أنه يوافق مطلبه، وربما يحذف حتى تضعيف مخرجه له أو صاحب الكتاب الذي ذكره، كما مر بنا سابقًا في نقله من كتاب (كنز العمال) أو (منتخب كنز العمال) وكما سيأتي بإذن الله، وحتى الحديث الذي ساقه بتمامه -حديث أبي ذر- وعزاه للثعلبي في تفسيره إنما نقله -بلا شك- عن سلفه ابن المطهر الحلي، إذ ذكره بنفس هذا اللفظ وبنفس التخريج القاصر فرد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فجزاه الله خيرًا، وإلا فليذكر لنا موضعه وإسناده إن كان صادقًا هو أو من ينتحل نحلته، وقد قدمنا أنّ تفسير الثعلبي لم يُطبع!