وقد ذكر الإمام الطبري في تفسير سورة الفاتحة من تفسيره، وكذا الإمام ابن كثير عدة آثار عن الصحابة والتابعين في تفسير الصراط المستقيم بأنه الإسلام، وبعضها عن ابن عباس بسند صحيح، وأخرى عن طريق السدي المذكور آنفًا أيضًا، فليس ما ذكره واستدل به -على فرض ثبوته- بأولى بالقبول مما ذكرناه. بل لقد فسره أبو العالية والحسن البصري بالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه من بعده أبي بكر وعمر، ولا منافاة بين هذه الأقوال، كما قال ابن كثير (1/28) : (وكل هذه الأقوال صحيحة وثابتة ومتلازمة، فإنّ من اتبع النبيَّ صلى الله عليه وسلم واقتدى باللذين من بعده: أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضًا) اهـ.
قلت: وأوضح من ذلك تبيينه سبحانه وتعالى في كتابه للصراط المستقيم، فقال: (( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) [الشورى:52] إذًا فالصراط المستقيم المعنيّ في سورة الفاتحة هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، بدليل قوله تعالى هذا، ولم يذكر فيه أحدًا لا أهل البيت ولا غيرهم.
قوله: (وقال:(( فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ) ) [النساء:69] ) وقال في الهامش (19/64) : (أئمة أهل البيت من سادات الصديقين والشهداء والصالحين بلا كلام) اهـ.
فقلت: وهذا أيضًا لا ننازع فيه بل في قصر الآية عليهم، مع عدم وجود دليل خاص بهم في هذه الآية. وقد ورد في سبب نزولها ما أخرجه ابن مردويه، والحافظ أبو عبد الله المقدسي في (صفة الجنة) ، والطبراني (1) ، وأخرجه أيضًا الواحدي في (أسباب النزول) (ص:123) بإسناد لا بأس به -كما قال الحافظ المقدسي- أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنك لأحب اليّ من نفسي، وأحب إليَّ من أهلي، وأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فانظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت ألاَّ أراك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه: (( وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ) ) [النساء:69] .
ثم إن الله سبحانه وتعالى قال: (( وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ) ) [النساء:69] .
فحتى لو كان المقصود بهم أئمة أهل البيت وحدهم، فقد اشترط الله سبحانه وتعالى لمرافقتهم في الجنة طاعة الله وطاعة رسوله فقط لا غيرها، ولم يشترط طاعتهم هم، فما أجهله باستدلاله بهذه الآية فهي دليل عليه لا له! فإنهم لم ينالوا ما نالوه إلا باتباعهم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فأصبحوا بتلك المنزلة، ثم أرشد الله سبحانه من يريد اللحاق بهم إلى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون معهم.
قوله: (ألم يجعل لهم الولاية العامة؟ ألم يقصرها بعد الرسول عليهم؟ فاقرأ:(( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ) [المائدة:55] (( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ ) ) [المائدة:56] وقال في الهامش (20/64) : (أجمع المفسرون -كما اعترف به القوشجي وهو من أئمة الأشاعرة في مبحث الإمامة من شرح التجريد- على أن هذه الآية إنّما نزلت في عليّ حين تصدق راكعًا في الصلاة. وأخرج النسائي في صحيحه نزولها في علي عن عبد الله بن سلام... الخ) .
(1) كما في (تفسير ابن كثير) (1/495) و (أسباب النزول) للسيوطي (2/57) .