وأما النكارة التي في متنه فقد بينها شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج النسة) في معرض ردّه على ابن المطهر الحلي، لما استشهد بهذا الحديث فقال (1) : (...ولا تحل نسبته إلى الرسول، فإن قوله:(وأنت الهادي) وما بعده ظاهره أنهم يهتدون بك دوني، وهذا لا يقوله مسلم، وإن قلت: معناه يهتدون به كهدايتهم بالرسول، اقتضى المشاركة، والله بنص كتابه قد جعل محمّدًا هاديًا فقال: (( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) [الشورى:52] وقولك: (وبك يهتدي المهتدون) ظاهره أن كل مسلم اهتدى فبعليّ اهتدى. وهذا كذب؛ فإن محمّدًا صلى الله عليه وسلم قد اهتدى به أمم ودخلوا الجنة ولم يأخذوا عن علي مثله، ثم لما فتحت الأمصار اهتدى الناس بمن سكنها من الصحابة وعلي مقيم بالمدينة لم يروه، فكيف يسوغ أن يقال: (بك يهتدي المهتدون) ؟ ثم قوله تعالى: (( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ) [الرعد:7] عام في كل الطوائف، فكيف يجعل عليًا هاديًا للأولين والآخرين؟ ثم الاهتداء بالشخص قد يكون بغير تأمّره عليهم كما يُهتدى بالعالم، فدعواك دلالة القرآن على عليّ باطل) انتهى..
قوله: (أليسوا من الذين أنعم الله عليهم، وأشار في السبع المثاني والقرآن العظيم إليهم، فقال:(( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ) [الفاتحة:6-7] ) اهـ.
قلت: نعم. هم من الذين أنعم الله عليهم وأشار إليهم في سورة الفاتحة كما أشار إلى غيرهم من سلف هذه الأمة الصالحين، فهم من المقصودين بهذه الآية لا أنهم وحدهم المعنيون بها، يدلك على ذلك قوله: (( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) ) [الفاتحة:7] وقد فسّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهود والنصارى، فبان بذلك أن الذين أنعم الله عليهم هم من هذه الأمة جميعًا، ولا دليل على تخصيصها بهم، وما ذكره في الهامش (18/64) معزوًا للثعلبي في تفسيره فهو فضلًا عن عدم تحقق ثبوته لعدم معرفة إسناده -خصوصًا والثعلبي قد حوى نفسيره كثيرًا من الموضوعات كما فصلنا ذلك سلفًا- لا يدل على مطلوبه بتخصيص الآية بأهل البيت ذلك أنها نصوص عامة تفيد شمول الآية لهم لا أنها فيهم وحدهم.
وكذا ما ذكره عن ابن عباس -زاعمًا أنه من تفسير وكيع بن الجراح ولا أدري من أين نقله- في قوله تعالى: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ) [الفاتحة:6] قال: قالوا أرشدنا إلى حب محمّد وأهل بيته، فهذا على فرض ثبوته لا يدل على مطلوبه من الإمامة والولاية كما لا يخفى ولا يرد علينا، فنحن نقول بوجوب محبة محمّد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وأن الآية تشملهم لكن ننازعه في قصر الآية عليهم وحدهم. ثم إن هذا التفسير لا يثبت عن ابن عباس، ففي سنده الذي ساقه هو السدي وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، وهو من رجال مسلم، ولكن في حفظه ضعف ورمي بالتشيّع، ومسلم لم يحتج به في شيء من فضائل علي وأهل البيت لأجل تشيعه، كما هو مقرر عند أهل الحديث، فكما لا يحتج بالناصبي، وهو الذي يبغض عليًا وأهل البيت -وإن كان ثقة- في شيء مما فيه تخطئة لعليّ؛ فكذا لا يحتج بالشيعي -وإن كان ثقة- في شيء من فضائل علي وأهل البيت، ثم إنا حتى لو أعرضنا عن هذه القاعدة الحديثية، فإن للسدي هذا شأنًا خاصًا في ما رواه من التفسير، فقد حكي عن الإمام أحمد أنه قال عنه: (وإنه يحسن الحديث إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادًا واستكلفه) . وقيل للشعبي: إن السدي قد أعطي حظًا من علم القرآن. فقال: (قد أعطي حظًا من جهل القرآن) (2) . فهذه حال ما ساقه مما ظن أنه دليل له، أما معنى الصراط المستقيم فقد مر بنا حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عند تعقيبنا على استشهاده بقوله تعالى: (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ) ) [الأنعام:153] وفيه المثل الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام فقالِ: (ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا...) .
ثم قد ذكرنا في كلامنا على (حبل الله المتين) ما روي عن عليّ رضي الله عنه نفسه في صفة القرآن: (... فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم...) فهذا هو تفسير علي رضي الله عنه للصراط المستقيم، أتراه يردّه؟
(1) المنتقى) (ص:461) .
(2) انظر ترجمته في التهذيب.