الصفحة 42 من 366

وهذا أيضًا يرد على ما زعم من إخراج العياشي (؟) في تفسيره، مع أنه من تفاسير الشيعة لا أهل السنة، وقد جاء في سبب نزول هذه الآية مع آيات اخر خلاف ذلك، وهو الثابت في تفسيرها، فقد جاء في سبب نزول الآيات (105-116) من سورة النساء، ومن قوله تعالى: (( إِنَّا أنزلنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ) ) [النساء:105] إلى قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا ) ) [النساء:116] أي بعد الآية المذكورة بآية، ما أخرجه الترمذي (3/93) والحاكم (4/385-388) وابن جرير (5/82-84) وغيرهم، أنها نزلت في سارق بني أبيرق واسمه بشير، في سياق طويل، فيه أنه سرق واتهم رجلًا بريئًا من المسلمين بتلك السرقة، حتى نزل القرآن بتبرئته وبيان الحق في ذلك، وقال في آخر الحديث: (فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه هرب إلى مكة مرتدًا، فنزل على سلافة بنت صعد فجعل يقع في النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسلمين، فنزل فيه:(( وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) ) [النساء:115] (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا ) ) [النساء:116] وهجاه حسّان بن ثابت رضي الله عنه)اهـ. وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم. والحاكم ممن احتج به هذا الموسوي كما مرّ فيما سلف، فما باله أعرض عنه هنا؟!

قوله: (والهداة الذين قال:(( إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ) [الرعد:7] وقال في الهامش (17 /63) : (أخرج الثعلبي في تفسير هذه الآية من تفسيره الكبير عن ابن عباس قال:(لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال: أنا المنذر وعلي الهادي، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون) . وهذا هو الذي أخرجه غير واحد من المفسرين وأصحاب السنن عن ابن عباس) اهـ.

قلت: هذا فيه كذب على أصحاب السنن، فلم يخرجه أحدٌ منهم، وهذا اللفظ عندما يطلق يراد به اصطلاحًا أصحاب السنن الأربعة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.

والحديث الذي ذكره أخرجه الطبري في تفسيره (13/63) من طريق الحسن بن الحسين الأنصاري، ثنا معاذ بن مسلم، ثنا الهروي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

وأخرجه من حديث ابن عباس أيضًا الديلمي في (مسند الفردوس) (103) بلفظ (أنا النذير وعلي الهادي...) لكنّه لم يسق له إسنادًا، فلا يصح العزو إليه بمفرده.

وقال ابن كثير في التفسير (2/502) : (وفيه نكارة شديدة) قلت: وذلك في سنده ومتنه.

أما سنده ففيه:

الحسن بن الحسين الأنصاري، وهو العرني: قال ابن أبي حاتم: لم يكن بصدوق عندهم، كان من رؤساء الشيعة. قلت: فلا يحتج به بعد ذلك في مثل هذا الخبر، وكما هو معروف عند أهل المصطلح، وقال عنه ابن حبان: يأتي عن الأثبات بالملزقات ويروي المقلوبات.

معاذ بن مسلم: مجهول كما قال الذهبي في الميزان، وجهالته هذه هي جهالة عين، وهي أشد ضعفًا من جهالة الحال، بل ومن مرتبة الضعيف (1) .

وأشار الذهبي في ترجمته إلى حديثه هذا وقال: خبر باطل.

الهروي: لم يتبين لي من هو ولم أجد من يلقب بذلك سوى أبي زيد الهروي، واسمه سعيد بن الربيع، وهو أقدم شيخ للبخاري، ولا أظنه هو إذ بين وفاته ووفاة عطاء بن السائب -شيخه في هذا الإسناد- خمس وسبعون سنة. وقد ذكر الذهبي في ترجمة الحسن بن الحسين الآنف الذكر.

من الميزان هذا الحديث بإسناده لكنّه أسقط الهروي وجعله من رواية معاذ بن مسلم عن عطاء بن السائب، وأعاده أيضًا في ترجمة معاذ بن مسلم، فالله أعلم.

عطاء بن السائب: اختلط وساء حفظه بآخره، ولم تصح رواية أحد عنه قبل الاختلاط سوى سفيان الثوري، وشعبة، وحماد بن زيد، وأيوب، وزائدة، وزهير، وجميعهم ليس لهم ذكر في إسنادنا هذا.

هذه أربع علل في إسناد الحديث تكفي كل واحدة منها لإسقاط الاحتجاج بأي حديث وعدم الأخذ به، فكيف إذا انضم بعضها إلى بعض؟ وأشدها جهالة معاذ بن مسلم، فالحديث بهذه العلل لا شك في بطلانه ونكارته.

وبعد هذا يتبين لك خطأ الحافظ ابن حجر في تحسين هذا الإسناد في (الفتح) (8/479) ، إذ ذكر هذا الحديث وحسن إسناده، وما فعل شيئًا -رحمه الله- ولا أظنه انتبه إلى ما في سنده من العلل، وقد خالف في ذلك كلًا من شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، والحافظ الذهبي رحمهم الله جميعًا، وفوق كل ذي علم عليم.

(1) انظر مقدمة تقريب التهذيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت