لكن كون علماء أهل البيت وكذا سائر الصحابة وعلماء الأمة هم أهل الذكر فهذا صحيح لا ريب فيه وعلى فرض ثبوت تسمية أهل البيت بأهل الذكر عن علي رضي الله عنه -كما عزاه في الهامش (15/63) من تفسير الثعلبي مع التحفظ في النقل من الثعلبي دون معرفة إسناده وصحته- أو عن أبي جعفر الباقر أو غيره من أئمة أهل البيت؛ فهو محمول على ان الآية تشملهم كما تشمل غيرهم، إذ لا دليل على تخصيصها بهم وحدهم، فقد روى ابن جرير أيضًا فيما رواه في تفسير هذه الآية، عن عبد الرحمن بن زيد ابن أسلّم قال: الذكر القرآن فأهل الذكر هم أهل القرآن، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ) [الحجر:9] فهذا يمكن أيضًا أن يحتج به أحد على أن أهل الذكر هم أهل القرآن، ولكنا نقول أن لا تعارض بين ذلك أبدًا، إذ معنى كل هذا أن الآية تشمله لا أنها سبب نزوله ومقصودها في سياق الآيات، وهذا مهم ويتكرر كثيرًا في التفريق بين سبب نزول الآية وبين الأمور التي تدخل في لفظها وتشملها، والله الموفق للصواب.
قوله: (والمؤمنون الذين قال:(( وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ) ) [النساء:115] ).
قلت: أفتراهم هم وحدهم المؤمنين دون سواهم؟ أفتراهم وحدهم المتبعون للرسول دون سواهم حتى تقصر لفظ الآية عليهم؟ هذا لعمري من أفسد الاستدلالات، بل يمكن للمنازع له أن يستدل بها أيضًا أو بمثلها، ثم إن قوله تعالى: (( وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [النساء:115] ملازم للصفة التي قال عنها: (( وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ) ) [النساء:115] فصارت كلاهما شيئًا واحدًا وهو مشاققة الرسول صلى الله عليه وسلم والابتعاد عن شرعه.
وبعد ذلك لا يتم الاستدلال بها وهي بهذا المعنى، فكأنه يريد أن يستدل على أهل السنة بقوله تعالى -مثلًا-: (( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ) ) [النساء:14] فمن قال إن أهل السنة عاصون لله ورسوله؟ وهكذا هنا أيضًا من قال: إنهم مشاقّون للرسول ومتّبعون غير سبيل المؤمنين؟ وبهذا يتبين وجه فساد احتجاجه بهذه الآية. أما عزوه -في الهامش- لابن مردويه في تفسير الآية أن المراد بمشاقة الرسول هنا إنما هي المشاقة في شأن عليّ وأن الهدى في قوله: (( مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ) ) [النساء:115] إنما هو شأنه عليه السّلام، فهذا مما لا سبيل له إلى إثباته وإلا فليذكر لنا موضعه وليسق لنا سنده، ويبدو أنه لا يستحي من الكذب فتفسير ابن مردويه لم يطبع إطلاقًا، ولا يمكن الوصول إليه عن طريق التفاسير الأخرى وحتى هذه لا تغني شيئًا إن لم تورد مع ما تنقله منه الإسناد الذي رواه به ابن مردويه، فإن كان هذا ما فعله الموسوي هنا فلم يبين من أين نقل ما نقله وعزاه لابن مردويه، أيستحي من ذلك فكتمه؟ أم هو التدليس والغش والإيهام كما هو شأنه مطلقًا؟!