الصفحة 40 من 366

فالواجب إذًا عند وجود التنازع أن يرد كل من الفريقين إلى كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا إلى غيرهما من الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء.

ونحن نسأله وشيعته: ألسنا مسلمين؟ أليس كتاب الله تعالى بيننا وهو يأمرنا عند التنازع أن نرجع إلى آياته وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ ألسنا نتنازع في مسألة الأخذ بأقوال أئمة أهل البيت والقول بعصمتهم؟ فلم تعدلون عن الاستشهاد بآيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة إلى الاستشهاد بأقوال من هم موضع النزاع؟ لا شك أن الحامل لهم على ذلك عدم وجود آية من كتاب الله تعالى أو حديث من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم على ما ادعوه، وردنا هذا يبين ذلك.

بقي أن أشير إلى نقطتين مهمتين وردتا في كلامه:

النقطة الأولى: قوله: (أخرج ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب...) وقد حاول التعمية عليه -فيما يبدو- ولم يذكره بلقبه الذي يعرف به، إذ لو ذكره لحمل ذلك من يعرفه من أهل السنة على تكذيب خبره هذا، وهو محمّد بن يعقوب الكليني الرازي المتوفّى سنة (329هـ) صاحب كتاب الكافي، ولا يحتاج عند من يعرفه من أهل السنة إلى بيان حاله وحال كتابه، لكن يكفي لمن لا يعرفه أن يراجع ما سقناه في مقدمة كتابنا هذا من المنكرات والأباطيل التي يحويها كتابه، وأبرزها طعنه بالقرآن الكريم، ذلك الطعن الذي لم يتجرأ أحد حتى ولا من اليهود ولا النصارى على قوله في القرآن الكريم، ثم يأتي هذا الموسوي فيصف الكليني هذا بأنه (ثقة الإسلام) !! أهذا مبلغ علمك يا موسوي؟!

النقطة الثانية: ما نقله عن محمّد الباقر في استشهاده بقوله تعالى: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ) ) [النساء:51] ثم حملها على من خالف آل محمّد صلى الله عليه وسلم في الإمامة، هذا يقوي الظن عندي بأنه يفسر الجبت والطاغوت في الآية بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهو قول أئمتهم كما نقلناه في مقدمتنا هناك عند تناولنا لكتابهم تنقيح المقال، وهو من أكبر كتبهم في الجرح والتعديل لإمامهم المامقاني. وجاء أيضًا ذكر الجبت والطاغوت في دعائهم الذي يسمونه: (دعاء صنمي قريش) ويعنون بهما وبالجبت والطاغوت أبا بكر وعمر، وهذا الدعاء في كتابهم (مفتاح الجنان) (1) ونصّه: (اللهم صل على محمّد وعلى أل محمّد، والعن صنمي قريش وجبتهما وطاغوتيهما وابنتيهما... الخ) ويريدون بابنتيهما أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة رضي الله عنهما وعن أبويهما، ولعنة الله على الظالمين.

قوله: (وأهل الذكر الذين قال:(( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [النحل:43] .

قلت: أفلا سأل نفسه عن معنى الفاء هنا وعن متعلقها؟ ولا يشك من له أدنى معرفة باللغة أنها متعلقة بكلام قبلها، بل هي من تمام الآية وهي قوله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [النحل:43] (( بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ) ) [النحل:44] ، وإذا كان كذلك فقد فسر لنا هذه الآية حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم علمه التأويل) ولم يَدعُ بمثل هذا لأحد من أهل البيت غيره، عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عالم أهل البيت بالتأويل، فقد أخرج الطبري في تفسيره (14/68) عن الضحاك عن ابن عباس قال: (لما بعث الله محمّدًا رسولًا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا الله أعظم من أين يكون رسوله بشرًا مثل محمّد، قال: فأنزل الله:(( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ) ) [يونس:2] وقال: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [النحل:43] (( بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ) ) [النحل:44] يعني أهل الكتب الماضية، أبشرًا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أتتكم، وإن كانوا بشرًا فلا تنكروا أن يكون رسولًا). وبمثله قال مجاهد والأعمش.

وعلى هذا فلا يصح أن يكون غير ما قدمنا سببًا لنزول هذه الآية فهو فضلًا عن مجيئه عن ابن عباس -من طريقين- هو مقتضى سياق الآية ومدلولها.

(1) ص:114) (إيران 1327) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت