قوله: (وأولي الأمر الذين قال:(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ) [النساء:59] وقال في الهامش (14-63) : (أخرجه ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب بسنده الصحيح عن بريدة العجلي قال: سألت أبا جعفر -محمّدًا الباقر- عن قوله عزّ وجلّ:(( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ) [النساء:59] فكان جوابه: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ) ) [النساء:51] يقولون لأئمة الضّلال والدعاة إلى النار هؤلاء أهدى من آل محمّد سبيلًا: (( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ) ) [النساء:52] (( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْمُلْكِ ) ) [النساء:53] يعني الإمامة والخلافة: (( فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ) ) [النساء:53] (( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) ) [النساء:54] ونحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلقه: (( فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) ) [النساء:54] يقول: جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة، فكيف يقرون به في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمد: (( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) ) [النساء:55] اهـ.
قلت: وما صنع شيئًا باستدلاله بهذه الآية إذ هي لا تختلف عما سبق من إستدلالاته محتاجة إلى إثبات صحة إسناده أولًا، ثم إلى صحة تفسير الباقر لهذه الآية بما فسّرها به ثانيًا. والعجيب منه أنه يريد أن يلزم أهل السنة بمذهبه الباطل ألا وهو عصمة هؤلاء الأئمة، ومنهم الباقر بتفسيره هذا، ثم إن قوله: (بسنده الصحيح) دعوى لا نسلّم له بها، خصوصًا بعد ما عرفنا من حال محمّد بن يعقوب هذا -وهو الكليني- وحال كتابه الكافي فيما بيناه في مقدمة كلامنا هذا، ولو كان صادقًا في دعواه هذه لساق إسناده بالكامل.
ثم إن قوله تعالى: (( وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ) [النساء:59] عام في كل أولياء الأمور من الأمراء والعلماء على السواء، كما هو قول ابن عباس وغيره فيما ذكره ابن كثير (1/518) ، فتخصيصها يحتاج إلى دليل شرعي صحيح، وسياق الآية فيه ما لا يساعده على مطلوبه فقد قال الله تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ) [النساء:59] فانظر كيف كرر عقل الأمر (( أَطِيعُوا ) )حينما أراد أن طاعة الله وطاعة الرسول مطلقة دون أي قيد، لكنّه لما ذكر أولي الأمر عطف ذكرهم على طاعة الرسول ولم يجعلها طاعةً مطلقة، بل طاعتهم واجبة فيما وافقوا فيه طاعة الله وطاعة رسوله فقال: (( وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ) [النساء:59] ولم يقل: (وأطيعوا أولي الأمر منكم) .
فإن كان هذا الموسوي يزعم أن طاعة هؤلاء الأئمة مطلقة دون قيد أو شرط، فهذا مردود بما بيناه، وإن كان يقول أن طاعتهم تكون في حدود طاعة الله ورسوله، فإذا أمروا بخلاف ذلك لم يُطاعوا، فهذا لا اختصاص لهم فيه فهو شأن كل ولي أمر للمسلمين حتى، وإن كان فأجرًا، فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة لولاة الأمور حتى الفجّار منهم ما لم يأمروا بمعصية، فإذا أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة، ففي الصحيحين (1) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثَرةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمرَ أهله، قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان) .
وفي صحيح البخاري (7142) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) . وفي صحيح مسلم (1838) عن أم الحصين أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجّة الوداع يقول: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا) .
ثم إن في تكملة الآية -التي تعمد عدم ذكرها- ردًا لكل ما بناه وقرره في مذهبه من الأخذ بأقوال هؤلاء الأئمة، ألا وهو قوله تعالى: (( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) ) [النساء:59] فانظر كيف جعل الرجوع عند التنازع -كما هو حالنا معه الآن- إلى الله والرسول، أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله فقط دون غيرهما، حتى ولا أولي الأمر، وحتى ولا أي من الأئمة والعلماء، وجعل ذلك علامة على الإيمان بالله واليوم الآخر.
(1) البخاري (7056) ، ومسلم (1709) .