الصفحة 52 من 366

وقد سقنا ولله الحمد في كلامنا على الآية الأولى، وهي قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ ) ) [المائدة:55] من النّصوص عن أهل البيت ما ينفي نزولها في عليّ خاصة، مثل ما ذكرناه عن ابن عباس وعن أبي جعفر الباقر. أما في هذه الآية فقد قال الرازي في (تفسيره) (12/22) عن المقصودين بهذه الآية: (فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه؛ لأنهم هم الذين قاتلوا أهل الردّة) اهـ. فهذا ممّا يبين كذبه في ادعائه الإجماع. ثم إن هذه الآية، وهي قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ) ) [المائدة:54] من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر رضي الله عنه؛ لأنه هو الذي حارب المرتدين وليس غيره، ولا يمكن أن يكون المراد هو الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يتفق له محاربة المرتدين، ولا يمكن أيضًا أن يكون المراد هو علي رضي الله عنه؛ لأن عليًا لم يتفق له قتال مع أهل الردة. فإن قيل: كل من نازعه الإمامة كان مرتدًا -وهو ما يريد قوله هذا الموسوي في كلامه في (المراجعة:44) - قلنا: هذا باطل من وجهين:

الأول: إن اسم المرتد إنما يتناول من كان جاحدًا للشرائع الإسلامية، والقوم الذين نازعوا عليًا ما كانوا كذلك- في الظاهر على الأقل- وما كان أحد يقول: إنه إنما حاربهم لأجل أنهم مرتدين، وعلي رضي الله عنه نفسه لم يسمّهم مرتدين ألبتّة، فقد قال صراحة في كتابه إلى أهل الأمصار يقصّ فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين، الذي رواه إمام الشيعة محمّد الرضي في نهج البلاغة (ص:323) : (وكان بدء أمرنا أنا التقينا القوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا في دم عثمان ونحن منه براء) اهـ.

وما سوى ذلك مما تقوله الروافض لعنهم الله بهت على جميع المسلمين وعلى علي أيضًا.

الثاني: إنه لو كان كل من نازعه في الإمامة مرتدًا لزم في أبي بكر، وفي قومه أن يكونوا مرتدين، لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربونهم ويقهرونهم ويردونهم إلى الدين الحق، بدليل قوله: (( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ ) ) [المائدة:54] وكلمة (مَن) في معرض الشرط للعموم -كما قال الرازي- فهي تدل على أن كل مَن صار مرتدًا عن دين الإسلام، فإن الله يأتي بقوم يقهرونهم ويبطلون شوكتهم، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتي الله بقوم يحاربونهم ويظهرون عليهم، ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد، فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون عن إظهار مقالتهم الباطلة أبدًا منذ كانوا، علمنا أن هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهبهم ومقالتهم، وهذا كلام ظاهر لمن أنصف، وثبت بذلك أن منازعة علي في الإمامة لا تكون ردة، وإذا لم تكن ردة لم يمكن حملُ الآية على عليّ رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت