الصفحة 37 من 366

لكن سبب نزول الآية أمر آخر، فقد نزلت في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه لما تخلف -فيمن تخلف- عن غزوة تبوك، ثم تاب الله عليه ببركة الصدق، وذلك ثابت في الصحاح، فقال الله تعالى: (( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ) [التوبة:118] (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ) [التوبة:119] حتى أن كعب بن مالك قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما تاب الله عليه- كما في حديثه عند الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم-: (وقلت: يا رسول الله! إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلاّ صدقًا ما بقيت، قال فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى) ثم قال أيضًا في نفس حديثه: (فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه) .

ثم إن معنى قوله تعالى: (( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ) [التوبة:119] فاصدقوا كما يصدق الصادقون لا تكونوا مع الكاذبين، كما قال تعالى: (( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) ) [البقرة:43] ولم يرد المعية في كل شيء، فلا يجب على الإنسان أن يكون مع الصادقين في المباحات والملبوسات ونحو ذلك، ومثل ذلك: كن مع الأبرار، كن مع المجاهدين، أي: ادخل معهم في هذا الوصف وجامعهم عليه.

وقد ورد تفسير الصادقين في الآية بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكذا ورد تفسيرهم بأبي بكر وعمر (1) ، وليس المراد أنهم سبب نزول الآية، بل إن الآية تشملهم وتعمّهم، وهذا صحيح، فما هو جواب هذا الموسوي عن هذا التفسير؟

وقوله: (بحكم صحاحنا المتواتره) قول من لا يعقل ما يخرج من رأسه، فليس عندهم صحاح وليس عندهم تواتر، بل لا يدري هو ولا زمرته ما شرط الصحاح وشرط التواتر، وسأبين ذلك- على وجه الاختصار- في كتبهم الأصول المعتمدة، تلك الكتب الأربعة التي يقولون عنها: إنها قطعية الصدور وكل ما فيها حجة وصحيح، وقال الحر العاملي في (وسائل الشيعة) (20/75) : (فمعلوم أن كتب القدماء إنما اندرست بعد ذلك لوجود ما يغني عنها، بل هو أوثق منها مثل الكتب الأربعة) اهـ. وهذه الكتب الأربعة هي: كتاب (الكافي) للكليني، وكتاب (من لا يحضره الفقهية) لابن بابويه القمي، وكتاب (تهذيب الأحكام) ، وكتاب (الاستبصار) وهما للطوسي، وعليها إجماع علمائهم وأئمتهم، حتى قال الحر العاملي في (وسائل الشيعة) (20/97) : (... فما الظن برئيس المحدثين وثقة الإسلام ورئيس الطائفة المحقة) اهـ. ويريد برئيس المحدثين ابن بابويه القمي، وثقة الإسلام هو الكليني، ورئيس الطائفة هو الطوسي، وقد ذكرهم وأشار إلى كتبهم هذا الموسوي نفسه في (المراجعة-14-) (ص:76) وقال: (يتهم ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني، وصدوق المسلمين محمّد بن علي بن بابويه القُمّي وشيخ الأمة محمّد بن الحسن بن علي الطوسي، ويستخفّ بكتبهم المقدسة وهي مستودع علوم آل محمّد صَلّى الله عليه وآله وسلّم...) ولا أريد التطويل هنا في بيان ما فيها مما يمنع القطع بصحتها فضلًا عن تواترها. وقد ذكرت في مقدمة الكتاب بعضًا مما فيها مما يمنع الأخذ بها والوثوق بما فيها عند كل مسلم يخاف الله واليوم الآخر، وسأكتفي بكلام أحد علمائهم المقبول والمرضي عندهم في تقييمه لكتبهم هذه، الأمر الذي بين به عدم إمكان القطع بتواترها، بل ولا حتى صحتها عمومًا، الذي ينقض به كلام صاحبه الموسوي هذا حين قال: (بحكم صحاحنا المتواترة) .

(1) انظر: تفسير الطبري (11/40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت