وإن صح ذلك -وهو الواقع هنا- فهذا تخريج قاصر ينم عن قلة علمه، إذ لا يصح عزو مثل هذا للصواعق، والاستدلال به دون معرفة إسناده وثبوته، فلم يبين أيًا من ذلك صاحب الصواعق حتى يعتمد عليه، ولم يلتزم الصحة فيما ساقه هناك كما بيناه مرارًا، ثم إن حال الصواعق المحرقة في مثل هذا التخريج كحال كتاب المراجعات أيضًا، فليس أي منها مصدرًا أصليًا يصح العزو اليه.
أما تفسير الثعلبي فلعدم إمكان معرفة إسناد خبره هذا لا يمكن الاطمئنان إليه، فما أكثر الموضوعات المكذوبة التي فيه وليس تفسيره معدودًا في الصحاح، وحاله كحال تلميذه الواحدي كانا يرويان عن كل أحد دون التمييز بين الصادق والكاذب، وستجد فيما نقلناه من ردود شيخ الإسلام ابن تيمية عما استدل به ابن المطهر الحلي من تفسير الثعلبي ما يبين حال تفسير الثعلبي هذا، وفي فتاوي شيخ الإسلام (13/345، 386) حين تكلم عن أنواع التفاسير أشار إلى الموضوعات التي يرويها الثعلبي والواحدي.
وكان من قوله أيضًا في رده على خبر ساقه ابن المطهر الحلي أن قال (1) : (...وإن الخبر كاذب، وفي تفسير الثعلبي من الموضوعات ما لا يخفى، وكان حاطب ليل، وكذا تلميذه الواحدي) اهـ. ثم إن الثعلبي وتلميذه الواحدي ليسا من أهل الحديث فكل من ترجم لهما وصفهما بالمفسرين كما في (العبر) و (تذكرة الحفاظ) للذهبي، و (شذرات الذهب) لابن العماد وغيرها، ولم يوصفا بأنهما محدثان أو صنفا شيئًا في الحديث وعلومه، والله أعلم.
وأما الثاني: فإن حبل الله المقصود في الآية هو (كتاب الله) كما قال غير واحد من المفسرين، وكما جاء مصرحًا به في إحدى روايات حديث غدير خم عند الترمذي، والتي استشهد بها صاحب المراجعات نفسه هناك وفيها: (كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض) فهذا ما يعارض ما قرره هو أولًا.
وأخرج ابن جرير (4/21) من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض) .
بل قد روي تفسير ذلك عن علي رضي عنه، كما أخرجه الترمذي (4/51-52) والدارمي (2/435) من طريق أبي المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث عن علي رضي الله عنه في صفة القرآن: (... فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم) .
وأخرج الدارمي (2/431) ، وابن مردويه (2) من طريق إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين...) .
وهذه الأحاديث والأثار وإن كان فيها ضعف لكن يقوي بعضها بعضًا، خصوصًا الأخير منها، فإسناده لا بأس به في الشواهد، وعلى آية حال، فحديث زيد بن ثابت في خطبة غديرخم الذي أشرنا إليه والذي فيه: (كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض) يكفي لإثبات ذلك، وقد تكلمنا عليه سلفًا، مع العلم أن هذه الأحاديث والآثار المساقة هنا هي عمومًا أحسن حالًا مما ساقه هذا الموسوي محتجًا به على دعواه، فإن قاله عن جعفر الصادق عارضناه بما روي عن علي، فإن خالف ذلك وردّه فقد نقض أصول مذهبه، والحمد لله رب العالمين.
قوله: (والصادقين الذين قال فيهم: وكونوا مع الصادقين) وقال في الهامش (12/62) : (والصادقون هنا: رسول الله والأئمة من عترته الطاهرة بحكم صحاحنا المتواترة) اهـ.
قلت: لا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الداخلين في هذه الآية، وكذا أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأئمة أهل البيت، لكن أين دليل نزول هذه الآية في أئمة أهل البيت فقط وإخراج من عداهم من الصحابة؟ وإن كانت الآية في الصادقين فهو جمع صادق، والصديق مبالغة في الصادق، وأبو بكر رضي الله عنه صدّيق بأدلة عدة، فهو أول من تناوله الآية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعده سائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
(1) المنتقي) (ص:436) .
(2) تفسير ابن كثير) (1/389) .