الصفحة 28 من 366

(16) قوله: وقال صَلّى الله عليه وآله وسلّم: (من مات على حب آل محمّد مات شهيدًا، ألا ومن مات على حب آل محمّد مات مغفورًا له، ألا ومن مات على حب آل محمّد مات تائبًا، ألا ومن مات على حب آل محمّد مات مؤمنًا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمّد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمّد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمّد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله...) إلى آخر خطبته العصماء.

وعزاه في الهامش (14/59) للثعلبي والزمخشري في تفسيريهما. أما الزمخشري فقد ذكره في الكشاف (2/82) من غير إسناد ولا عزو لأحد فلا يصحّ العزو إليه إذن، ولا أظن الزمخشري إلا نقله من الثعلبي، وإذا كان كذلك فلا يمكن الاطمئنان إلى الثعلبي -رغم أننا لم نتأكد من إخراجه فعلًا- فإنّه كما قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية كان كحاطب بليل وسيأتي الكلام عليه أيضًا في صفحة (102-103) .

وقد نقل الحديث عن الزمخشري كل من الرازي في تفسيره (27/165-166) ، والقرطبي أيضًا (16/23) وهما أيضًا لم يذكرا مصدرًا له سوى تفسير الزمخشري، هذا فضلًا عن أن تفسير الثعلبي الذي هو المصدر الأصلي لهذا الحديث الموضوع غير مطبوع إلى الآن، فكيف يمكن العزو إليه؟ وإذا كان العزو عن طريق مصدر آخر وسطي فينبغي لأهل العلم الأمناء التصريح به وعدم التعمية عليه كما فعل هذا الموسوي، وقد أشار إلى هذا الحديث ابن حجر في (الصواعق) (ص:230) وطعن في ثبوته، وهو الأمر الذي لم يعجب عبد الحسين هذا فكتمه ولم يصرح به، جزاه الله بما يستحق. والخلاصة أنا نبقى نتحدّاهم بإسناد صحيح لرجال ثقات مقبولين رووا هذا الحديث، وإلا فحجتهم داحضةٌ كما هو شأنهم دائمًا ولله الحمد.

قوله: (ومضامين هذه الأحاديث كلهما متواترة ولا سيما من طريق العترة الطاهرة) اهـ.

قلت: كلامه هذا وحكمه على تلك الأحاديث يدل على جهله بحال ما ساقه من تلك الأحاديث والآثار، بل جهله بعلم الحديث والأسانيد عمومًا، وأنه من أبعد الناس عن هذا العلم الشريف، وأقلهم حظًا فيه، وقد أجلب بخيله ورجله وساق ما استطاع من تلك النّصوص المظلمة، وأقرب مثال أجده لها من قوله تعالى: (( كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) ) [النور:39] .

ولا أظن أحدًا منصفًا ينظر في حال ما ساقه من الأحاديث والآثار كما بيناها ويشك في حكمنا هذا عليه، ونسأل الله السّلامة والتوفيق.

قوله: وقد قال صَلّى الله عليه وآله وسلّم: (ولا يحبنا إلا مؤمن تقي، ولا يبغضنا إلا منافق شقي) .

وقال في الهامش (15/59) : (أخرجه الملا كما في المقصد الثاني من مقاصد الآية(14) من الباب (11) من الصواعق) اهـ.

وهو شبه الريح أيضًا؛ إذ لا يعرف له إسناد حتى ينظر فيه ويتحقق من صحته وثبوته، فمثل هذا لا يحتج به من له أدنى مستوى من علم.

هذا فضلًا عن أن معناه صحيح لا ننازع فيه من جهة وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل البيت، وأن محبتهم من لوازم الإيمان، وأن بغضهم دلالة على النفاق، لكن المحبة المقصودة لا شك هي المحبة الشرعية التي تعني عدم الغلو بهم ورفعهم إلى ما لا يجوز، فإن هذا ممتنع أن يقال عن صاحبه مؤمن تقي كما هو واضح.

فما أفسد هذا الاستدلال على أفضليتهم ووجوب تقديمهم على من سواهم! وانظر ما تقدم قبل أربعة أحاديث في مذهب أهل السنة والجماعة في وجوب محبة أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين.

قوله: (وحسبنا في إيثارهم على من سواهم إيثار الله عزّ وجلّ إياهم، حتى جعل الصلاة عليهم جزءًا من الصلاة المفروضة على جميع عباده، فلا تصح بدونها صلاة أحد من العالمين صديقًا كان أو فاروقًا أو ذا نور أو نورين أو أنوار، بل لا بد لكل من عبد الله بفرائضه أن يعبده في أثنائها بالصلاة عليهم كما يعبده بالشهادتين، وهذه منزلة عنت لها وجوه الأمة وخشعت أمامها أبصار من ذكرتم من الأئمة) اهـ.

لي على كلامه هذا عدة ملاحظات:

الملاحظة الأولى: قوله: (فلا تصح بدونها صلاة أحد من العالمين) من أين له هذا الحكم وكيف قطع به؟! وكان الأحرى به- لو كان من أهل العلم- أن يبين على الأقل أنّه مذهبه، وأن يشير إلى دليله في ذلك، فليس ما قاله متفقًا عليه، أعني وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله في الصلاة بعد التشهد، بل الجمهور على خلافه، ومنهم مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت