الصفحة 27 من 366

وأما مسلم فلم يُخرج لإسماعيل بن أبي أويس هذا حديثًا فردًا مطلقًا من روايته وحده، بل كل ما أخرجه له متابعات لإسماعيل في روايته سواء كانت متابعة تامة أو قاصرة (1) . لكن هذا الحديث الذي رواه مسلم بذلك الإسناد قد أخرجه البخاري نفسه من روايته عن إسماعيل بن أبي أويس (2) ، فزال بذلك اللبس إن شاء الله وتحققت تلك القاعدة التي قررها الحافظ ابن حجر رحمه الله.

فإذا استقر الأمر على ذلك فحديثنا هذا مما انفرد به إسماعيل بن أبي أويس، وليس له متابع ولا شاهد، وهو ما يبعد الحديث عن الصحة، فضلًا عن أن يكون على شرط مسلم.

أبو أويس: واسمه عبد الله بن عبد الله بن أويس: قال الحافظ في التقريب: صدوق يهم. وقد ضعفه غيره لسوء حفظه، حتى قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وليس بالقوي اهـ. قلت: يعني لا يحتج بما انفرد به - كما هو الحال هنا- وإنما حديثه يصح في الشواهد والمتابعات، وعلى هذا الأساس أخرج له مسم في صحيحه، إذ لم يتحج به منفردًا بل في المتابعات، فلا يصح ما انفرد به، خصوصًا إذا انضم إلى ذلك أن حديثه من رواية ابنه إسماعيل -وقد تقدم حاله- فيزداد الحديث بذلك وهنًا على وهن.

نعم. يمكن أن يُقال: إن المعنى الأصلي للحديث -وهو النهي عن بغض أهل البيت، وأن ذلك من الموجبات للعقوبة- صحيح لما له من شواهد صحيحة تدل عليه: وهذا فقط هو المعنى الذي يمكن أن يصح من هذا الحديث، والله الموفق للصواب.

(13) وقال في الهامش (13/58) : وأخرج الحاكم وابن حبان في صحيحه -كما في أربعين النبهاني وإحياء السيوطي- عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: (والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلاّ دخل النار) .

قلت: أخرجه الحاكم في (المستدرك) (3/150) من طريق محمّد بن بكير الحضرمي، ثنا محمّد بن فضيل الضبي، ثنا أبان بن جعفر بن ثعلب عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يتعقبه الذهبي بشيء فقصر -رحمه الله- وكان حقًا عليه أن يبين أنه ليس على شرط مسلم، بل ليس بصحيح أصلًا، فمحمّد بن بكير الحضرمي المذكور ليس من رجال مسلم أصلًا، وقد قيل: إن البخاري أخرج عنه، ولم يثبت ذلك، وقال عنه الحافظ: صدوق يخطئ. وفي إسناده أيضًا أبان بن جعفر بن ثعلب، ولم أجد له ترجمة، وقد يكون هو أبان بن تغلب وتصحف اسمه، لكنّه بعيد لزيادة اسم جعفر بينهما، ثم إن كان هو فبين وفاته ووفاة جعفر بن إياس شيخه في هذا الإسناد (114) سنة، توفي جعفر سنة (126) وتوفي أبان سنة (240) ، وعلى أية حال فلا يصح إسناد هذا الحديث، وعلى فرض صحته فليس فيه ما يدل على ما ادعاه هذا الموسوي مما سبق بيانه في الحديث (12) ، وقصارى ما فيه النهي عن بغض أهل البيت، وأن ذلك من الذنوب الموجبة لنار جهنم، والله أعلم.

(14) وقال في الهامش (13/58) أيضًا: (وأخرج الطبراني -كما في أربعين النبهاني وإحياء السيوطي- عن الإمام الحسن السبط، قال لمعاوية بن خديج:(وإياك وبغضنا أهل البيت فإن رسول الله قال: لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد إلا ذيد يوم القيامة عن الحوض بسياط من نار) اهـ.

قلت: أخرجه الطبراني في (الأوسط) (3) ، وقال الهيثمي: (وفيه عبد الله بن عمرو الواقفي وهو كذاب) اهـ. فالحديث موضوع مكذوب مختلق إذن.

(15) وقال في ذلك الهامش أيضًا: وخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أيّها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهوديًا) .

قلت: أخرجه الطبراني في (الأوسط) (4) ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته وهو يقول: (أيها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهوديًا) فقلت: يا رسول الله! وإن صام وصَلّى؟ قال: (وإن صام وصَلّى وزعم أنّه مسلم، احتجز بذلك من سفك دمه وأن يؤدي الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، مثل لي أمتي في الطين فمر بي أصحاب الرايات، فاستغفرتُ لعليّ وشيعته) اهـ.

قلت: وهذا باطل واضح من متنه لا يماري في ذلك إلا من كان في قلبه مرض، وقد قال الهيثمي عن سنده: (وفيه من لم أعرفهم) اهـ. وهذا في الحقيقة أشد أنواع التضعيف إذ هي رواية عن مجهول العين وهو أشد ضعفًا من مجهول الحال، بل أشدّ ضعفًا ممّن قيل فيه: ضعيف، كما بينه الحافظ ابن حجر في مقدمة التقريب إذ أن مراتب الجرح ستة، والابتداء بأقلها يكون مجهول الحال في المرتبة الأولى، ويليه في الثانية الضعيف، ثم في الثالثة مجهول العين، ويعبر عنه بلفظ (مجهول) فقط، وهو النوع الذي نحن بصدده. فلا يتوهمنّ أحدٌ أنه تضعيفٌ بسيط، فربما يكون هذا المجهول من الكذابين، كما هو الراجح في حديثنا هذا.

(1) انظر المواضع الآتية في (صحيح مسلم) : (2/875) (2/1135) (3/1272) (3/1526) (3/1658) (4/1880) سوى موضع واحد في (3/1191-1192) .

(2) انظر (صحيح البخاري) (3/244) .

(3) مجمع الزوائد) (9/172) .

(4) مجمع الزوائد) (9/172) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت