فأين في الحديث ذكر لحبوط الأعمال؟ فإن قيل: إن ذلك من لوازم دخول النار، قلنا: فالسارق والزاني وشارب الخمر، بل أصحاب الذنوب دون هذه يدخلون النار إن لم يغفر الله لهم، ثم ثبت خروج مثل هؤلاء من النار بالشفاعة وغيرها ثم يدخلون الجنة ولا تحبط أعمالهم، بل كل من مات على التوحيد مع ما عنده من الذنوب وإن عظمت فإنّه يدخل النار -إن لم يغفر الله له- ثم يخرج منها إلى الجنة ولم يحبط توحيده.
ثم أين في الحديث تقرير لنيابتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ بل هذا ما يتراءى لهذا الرجل لسوء نيته ومقصده، وإن كان أحد من الأمة أحق بالنيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) .
وأبو بكر أولى بذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي جاءت تسأله فقال: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ قال: (ائتِ أبا بكر) ، فهذا صريح كل الصراحة في نيابته رضي الله عنه عن المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد موته، بل وفي حياته أيضًا إذا ما غاب صلى الله عليه وسلم لأمرٍ ما، كما في حديث تقديم أبي بكر للصلاة بالناس إمامًا في مرض النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، وكذا لما ذهب صلى الله عليه وسلم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فقدم الصحابة -مثل بلال وغيره- أبا بكر للصلاة بهم نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث في (الصحيح) ومثل تقديمه صلى الله عليه وسلم لأبي بكرًا أميرًا على الحج سنة تسع للهجره -قبل حجة الوداع- نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيمن كان مع أبي بكر وتحت إمرته علي رضي الله عنه، فكان أبو بكر هو الأمير في تلك الحجة -كما في (سيرة ابن هاشم) وغيرها-.
وبعد الكلام على معنى الحديث وما يدل عليه فهذا أو أن الكلام على إسناد الحديث، فأقول:
إن الذي حملني على دراسة إسناد هذا الحديث والكلام عليه -مع تصحيح الحاكم له على شرط مسلم وموافقة الذهبي على ذلك- أنه من رواية إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه -وهو عبد الله بن عبد الله بن أويس- ويعرف بأبي أويس، وأظن -والله أعلم- أن الحاكم والذهبي قد وهما -رحمهما الله تعالى- بتصحيح الحديث على شرط مسلم لسببين:
الأول: أن أبا أويس هذا لم يخرج له مسلم محتجًا به بل متابعة. انظر في (صحيح مسلم) المواضع الآتية:
(1/134) فقد ذكر له رواية عن الزهري متابعًا في ذلك رواية مالك ويونس عن الزهري قبله.
(1/297) ذكر له رواية عن العلاء بن عبد الرحمن متابعًا في ذلك رواية مالك وابن عيينة وابن جريج عن العلاء قبله.
وقد ذكر ذلك الذهبي نفسه في (الميزان) (2/450) إذ رمز له (م تبعا) أي: أخرج له في المتابعات.
والثاني: أن إسماعيل بن أبي أويس وأباه وإن كان قد روى لهما مسلم في صحيحه، إلا أنه لم يرو لأبي أويس من طريق ابنه إسماعيل، فهذا مما يخرج الحديث عن شرط مسلم، بل مما يوهن الحديث ويقربه إلى الضعف، فإن إسماعيل هذا فيه كلام وهو خير من أبيه وإليك حالهما تفصيلًا:
إسماعيل بن أبي أويس: قال الذهبي في (الميزان) : محدث مكثر فيه لين. وقال الحافظ في التقريب: صدوق ربما أخطأ في أحاديث من حفظه. وقد ضعفه غير واحد، كابن معين، ومعاوية بن صالح، والنسائي، وهم من المتشددين، لكن ذكر النسائي قصة (1) مؤداها أنه كان يضع الحديث لأهل المدينة، وعقب عليها الحافظ فقال: (قلت: وهذا هو الذي بان للنسائي منه حتى تجنب حديثه وأطلق القول إليه بأنه ليس بثقة، ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات) اهـ.
وقال أيضًا في: هدي الساري مقدمة فتح الباري (551) : (احتج به الشيخان إلا أنهما لم يكثرا من تخريج حديثه ولا أخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين، وأما مسلم فأخرج له أقل مما أخرج له البخاري) اهـ.
قلت: أما اعتماد البخاري على اسماعيل بن أبي أويس في الحديثين اللذين أنفرد بهما إسماعيل فلة معه قصة تبين سبب ذلك، قال الحافظ في (مقدمة فتح الباري) : (وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقي منها، وأن يعلم له على ما يحدث به ليحدث به ويعرض عما سواه) اهـ. ففيه دليل على أن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه لأنه نقله من كتبه وانتقاه بمعرفته، فاندفع بذلك سوء حفظه فيما أخرجه البخاري عنه، لذا عقبه الحافظ بالقاعدة: (وعلى هذا لا يحتج بشي من حديثه غير ما في الصحيح، من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلا أن شاركه فيه غيره فيعتبر به) اهـ.
(1) راجع (تهذيب التهذيب) .