والثاني: لم ينقل تصحيح الحاكم له وهو مما يقوي دليله ويفيده، لذا أقول: قد قصر في تخريج الحديث تخريجًا قاصرًا وغير دقيق على عادته في معظم تخريجاته، وعلى عكس ما وصف به من دقة الملاحظة وسعة التتبع.
وهذا الحديث أخرجه الحاكم (3/148-149) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، ثنا أبي عن حميد بن قيس المكي عن عطاء بن أبي رباح وغيره من أصحاب ابن عباس، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (.... فلو أن رجلًا صفن بين الركن والمقام فصلّى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمّد دخل النار) ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
قلت: وقد عزاه في الهامش (13/58) للطبراني والحاكم مع عدم بيان إسناده وسنبينه نحن إن شاء الله فنقول: أما إسناد الحاكم فقد ذكرناه وذكرنا تصحيح الحاكم والذهبي له، وسارجئ الكلام عليه في بيان ذلك التصحيح بعد الكلام على معنى الحديث، وأما إسناد الطبراني فقد بينه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/171) ، وعزاه لابن عباس أيضًا بنفس اللفظ، لكن فيه محمّد بن زكريا الغلابي، شيخ الطبراني، وقد ضعفه الهيثمي، وهو كذاب يضع الحديث كما قال الدارقطني وابن معين.
وذكر له الهيثمي (9/170) شاهدًا من حديث عبد الله بن جعفر، وقال الهيثمي: (رواه الطبراني في(الأوسط) ، وفيه أصرم بن حوشب وهو متروك) قلت: وقد اتهم بالكذب ووضع الحديث. فلا يلتفت بعد هذا إلى إسناد الطبراني لهذا الحديث لما رأيت من حاله، ويبقى عندنا إسناد الحاكم، وعلى فرض صحته على شرط مسلم -كما قال الحاكم والذهبي- فليس في لفظه ولا في ما يدل عليه دليل على ما ادعاه الموسوي من وجوب التمسك بمذهب أهل البيت -رضي الله عنهم- دون ما سواهم، والقول بعصمتهم -كما يرمي إليه هذا الموسوي وأشباهه- بل إن الحديث يدل على وجوب محبتهم، مع أن لفظه في نفي البغض فقط، ويبدو أن هذا الرجل يظن بأن أهل السنة يبغضون عليًا وأهل البيت فراح يستدل عليهم بما رووه هم، وإنما من سوء فهمه أتي- على فرض سلامة نيته- أو أنه يعلم ذلك لكنّه لم يحسن الاستدلال على مطلوبه من وجوب التمسك بمذهب أهل البيت والقول بعصمتهم- على زعمه-، أو لم يجد حديثًا صحيحًا يدل على ذلك- وهو أكيد- فراح يأتي بكل حديث فيه ذكر لأهل البيت موهمًا أنه يؤيد ما ادعاه.
أما أهل السنة فمن أصول مذهبهم واعتقادهم محبة الصحابة جميعًا وأهل البيت أيضًا، ويقدمونهم على أنفسهم، كما قال أبو بكر رضي الله عنه: (لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليَّ أن أصل من قرابتي) رواه البخاري.
لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (العقيدة الواسطية) وهي لبيان اعتقاد أهل السنة: (ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال في يوم غدير خم:(أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) وقال أيضًا في قصيدته اللامية لبيان اعتقاده ومذهبه:
حبّ الصحابة كلهم لي مذهب ... و مودّة القربى بها أتوسّل
أي: أتقرب إلى الله تعالى بحبهم، وابن تيمية من أشد الناس الذين تبغضهم الرافضة وتتهمه بعداوته لأهل البيت- كما فعل الموسوي نفسه- وهو افتراء عليه كما ترى.
والمقصود من أهل البيت هم من كان على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون منهم، وإلا فأبو لهب حتمًا ليس مقصودًا بالمحبة، بل بالغض والعداوة.
والحديث هذا لا يدل بمنطوقه على وجوب محبة أهل البيت بل بمفهومه. وأما منطوقه فيدل على أن من مات وهو يبغض أهل البيت دخل النار، فهو إذن في النهي عن بغضهم فقط وإن كانت محبتهم تأتي بعد ذلك، وفيه أن صاحب ذلك يدخل النار -مع أنه كان يصلّى ويصوم- ولم يقل خالدًا في النار، باعتبار ذلك من الذنوب التي تمحوها نار جهنم إن لم تمح بالشفاعة والمغفرة وغير ذلك.
هذا هو معنى الحديث وما يدل عليه وما يستلزمه، فأين فيه وجوب التمسك بمذهبهم دون غيرهم؟ وأين فيه القول بعصمتهم كما يدعي هذا الموسوي وأشباهه؟
ولم يكتف بذلك، بل قد قال شارحًا للحديث في الهامش (13/58) : (ولولا أن بغضهم بغض لله ولرسوله ما حبطت أعمال مبغضهم ولو صفن بين الركن والمقام فصلّى وصام، ولولا نيابتهم عن النبي صَلّى الله عليه وآله وسلّم ما كانت لهم هذه المنزلة) أ.هـ.
وتفسيره الحديث بهذا الشكل يدل على أحد أمرين: إما سوء فهمه وعدم قدرته على استنباط الحكم من النص، أو انه نوع من التدليس والايهام والتحريف لمعنى النّصوص، بالشكل الذي يزيد على النص من كلامه الذي يريد تقريره والوصول إليه، ولا أظن عاقلًا ينظر إلى نص الحديث ثم يستنبط منه ما ادعاه هذا الموسوي ولا جزءًا منه ولا قريبًا منه.