الصفحة 24 من 366

وانظر إلى انعدام الأمانة في هذا الموسوي لعبارة القاضي عياض من كتابه (الشفا) إذ قال: (أورده القاضي عياض في الفصل الذي عقده لبيان أنّ من توقيره وبرهّ صَلّى الله عليه وآله وسلّم بر آله وذريته) . أهـ. مع أن عبارة القاضي عياض لها تتمة لا يصح عند العقلاء إغفالها، فهي قوله: (... أمهات المؤمنين أزواجه) عقب العبارة التي نقلها مباشرة، فتصرف هذا الموسوي كما يحلو له بكلام الرجل، الامر الذي لا يخطر ببال أحد أن مؤلفًا يحترم نفسه يفعل مثل هذا.. أمثل هذا يؤتمن بعد ذلك في نقله؟ وهذا عندهم من كبارهم وأئمتهم. وإن كان يزعم أنه أحتج بالقاضي عياض لا لقبوله عنده نفسه، بل لقبوله عند أهل السنة، فنقول: أن أحدًا من أهل السنة علماءهم وعوامهم -لم يقل ولم يعتقد بصحة كل ما رواه القاضي عياض في كتابه ذاك، فضلًا عن أن القاضي نفسه لم يقل هذا، ولم يدّعه كما أشرنا. وليكن معلومًا عند من لم يعلم ذلك أن أهل السنة عمومًا لا يقولون بصحة أحاديث أي كتاب جملةً وكاملًا إلا الصحيحين البخاري ومسلم، وكل ما عداهما عندهم خاضع لدراسة إسناده وتحقق صحته وثبوته، فلا يغفلنّ أحدّ عن هذا.

وأما الحديث الذي ذكره في الهامش (11/58) زاعمًا أنه يفسر حديثنا هذا ولفظه: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية) فليس أسعد حظًا من سابقه، ولو كان هذا الموسوي صادقًا في وجود مثل هذا الحديث لذكر إسناده، أو بين موضعه الذي نقله منه إلا من كتبهم الباطلة، وغالب الظن انه نقله من كلام سلفة ابن المطهر الحلي كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية) ، ورد هذا الحديث من جهة سنده ومتنه، وبين أن في ثبوت مثل هذا الحديث حجة على الشيعة نفسها، وإليك نص كلامه (1) :

(وأما قولك في الحديث:(من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) فنقول: من روى هذا؟ وأين إسناده؟ بل والله ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم هكذا. وإنما المعروف ما روى مسلم أن ابن عمر جاء إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادًا، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من خلع يدًا من طاعةٍ لقيَ الله يوم القيامة ولاحجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) . وهذا حديث حدّث به ابن عمر لما خلعوا أمير وقتهم يزيد -مع ما كان عليه من الظلم- فدل الحديث على أن من لم يكن مطيعًا لولاة الأمر أو خرج عليهم بالسيف مات ميتة جاهلية. وهذا ضدّ حال الرافضة؛ فإنهم أبعد الناس عن طاعة الأمراء إلا كرهًا، وهذا الحديث يتناول من قاتل في العصبية، والرافضة رؤوس هؤلاء، ولكن لا يُكفّر المسلم بالاقتتال في العصبية، فإن خرج عن الطاعة ثم مات ميتة جاهلية لم يكن كافرًا- إلى ان قال شيخ الإسلام- ثم لو صح الحديث الذي أوردته لكان عليكم، فمن منكم يعرف إمام زمانه أو رآه أو رأى من رآه أو حفظ عنه مسألة؟ بل تدعون إلى صبي- ابن ثلاث أو خمس سنين -دخل سردابًا من أربعمائة وستين عامًا- قلت: هذا في حياة شيخ الإسلام- ولم ير له عين ولا أثر، ولا سمع له حس ولا خبر، وإنما أمرنا بطاعة أئمة موجودين معلومين لهم سلطان، وأن نطيعهم في المعروف دون المنكر). انتهى كلام شيخ الإسلام، وفيه الرد الشافي إن شاء الله.

(11) قوله: وقال صَلّى الله عليه وآله وسلّم: (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع؛ عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله فيما أنفقه ومن أين اكتسبه، وعن محبتنا أهل البيت ) )وقال في الهامش (12/58) : (أخرجه الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا) .

قلت: نعم أخرجه الطبراني في الكبير (11177) من طريق حسين بن الحسن الأشقر ثنا هشيم بن بشير عن أبي هاشم عن مجاهد عن ابن عباس به. وهو حديث باطل لا يصح، قال الهيثمي في (المجمع) (10/346) : وفيه حسين بن الحسن الأشقر وهو ضعيف جدًا، قلت: قال عنه أبو زرعة: منكر الحديث وفيه أيضًا هشيم بن بشير وهو كثير التدليس والإرسال الخفي، وقد عنعنه كما ترى، فالحديث لا يصح إطلاقًا.

ومما يؤيد ضعفه وبطلانه أنه جاء بلفظ آخر -وهو الصحيح- من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم) أخرجه الترمذي، والطبراني في الكبير والصغير، وأبو يعلى، والخطيب وابن عساكر (2) .

(12) قوله: وقال صَلّى الله عليه وآله وسلّم: (فلو أن رجلًا صفن-صف قدميه- بين الركن والمقام فصَلّى وصام وهو مبغض لآل محمّد دخل النار) .

هذا هو اللفظ الذي ذكره وواضح أنه لم ينقله من مصدره الأصلي- وهو مستدرك الحاكم- لسببين: أولهما: أن هناك اختلافًا يسيرًا في اللفظ.

(1) المنتقى (ص:30-32) .

(2) انظر (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (946) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت