هذا الحديث من رواية زياد بن مطرف، والذي بعده من رواية زيد بن أرقم، وهما في الحقيقة حديث واحد من طريق واحد، وقد فصلهما هذا الشّيعي ليوهم أنهما حديثان متغايران إسنادًا، والحقيقة خلاف ذلك، فهما من طريق واحد كما سنبينه، غاية ما في الأمر أن الرأوي كان يرويه تارة عن زياد بن مطرف عن زيد بن أرقم، وتارة لا يذكر زيد بن أرقم ويوقفه على زياد بن مطرف، وهو مما يؤكد ضعف الحديث لا ضطرابه في إسناده كما سيتبين إن شاء الله.
وهو حديث موضوع أخرجه الحاكم (3/182) ، والطبراني في الكبير (5067) ، وأبو نعيم في (الحلية) (4/349-350، 350) من طرق عن يحيى بن يعلى الأسلمي، قال ثنا عمار بن رزيق عن أبي إسحاق عن زياد بن مطرف عن زيد بن أرقم. قال الطبراني: ورما لم يذكر زيد بن أرقم. وقال أبو نعيم: غريب من حديث أبي إسحاق تفرد به يحيى. ويحيى هذا قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي ضعيف الحديث. وقال الهيثمي في (المجمع) (9/108) : رواه الطبراني وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي وهو ضعيف.اهـ.
وقد نقل هذا الموسوي هذا الحديث من (كنز العمال) ومن (منتخب الكنز) بتخريجاته تلك، لكنّه لم ينقل تعقيبه على الحديث- كما في (المنتخب) (5/32) - إذ قال: وهو واهٍ.
فتعمد هذا الموسوي إخفاء مثل هذا، واعتمد على قول الحاكم: صحيح الإسناد- كما نقله هو في الحديث الذي بعده عن زيد بن ارقم، وهما في الحقيقة حديث واحد كما قلنا- مع ان تصحيح الحاكم لوحده لا يعتمد عليه أهل العلم بالحديث، لذا نرى الذهبي قد قال معقبًا على تصحيح الحاكم: (وأنّى له الصحة والقاسم متروك، وشيخه -يعني الاسلمي- ضعيف، واللفظ ركيك، فهو إلى الوضع أقرب) . وهو ما لم ينقله هذا الموسوي عمدًا في إخفائه.
ومما يزيد في ضعف الحديث أن أبا إسحاق السبيعي فيه وقد كان اختلط مع تدليسه وقد عنعنه، ثم هو مضطرب في إسناده، فتارة يروي من مسند زيد ابن أرقم وتارة من مسند زياد بن مطرف، وقد رواه عنه مطين والباوردي وابن جرير وابن شاهين في (الصحابة) ، كما ذكر الحافظ في الإصابة في ترجمة زياد بن مطرف، ونقل قول ابن مندة عن الحديث أنه: لا يصح.
قال في الهامش (2/56) : (وأورده ابن حجر العسقلاني مختصرًا في ترجمة زياد بن مطرف في القسم الأول من إصابته، ثم قال: قلت: في إسناده يحيى بن يعلى المحاربي وهو واهٍ. أقول: هذا غريب من مثل العسقلاني، فإن يحيى بن يعلى المحاربي ثقة بالاتفاق، وقد أخرج له البخاري ومسلم...) كذا قال هذا الموسوي في هامشه محاولًا تصحيح الحديث بذلك ظنًا منه أن خدعته هذه تنطوي على أهل الحديث، لكن بحمد الله قد قيض الله له من يكشف عن تدليسه وغشه هذا، فقد قال الألباني في (الضعيفة) (2/269-297) كلامًا طويلًا في رده، أرى من المناسب نقله كله -على طوله- وإليك نصه:
(فأقول: أغرب من هذا الغريب أن يدير عبد الحسين كلامه في توهيمه الحافظ في توهينه المحاربي، وهو يعلم أن المقصود بهذا التوهين إنما هو الأسلمي وليس المحاربي؛ لأن هذا مع كونه من رجال الشيخين فقد وثقه الحافظ نفسه في التقريب وفي الوقت نفسه ضعف الأسلمي، فقد قال في ترجمة الأول:
(يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي الكوفي ثقة، من صغار التاسعة، مات سنة ست عشرة) وقال بعده بترجمة: (يحيى بن يعلى الأسلمي الكوفي شيعي ضعيف، من التاسعة) وكيف يعقل أن يقصد الحافظ تضعيف المحاربي المذكور وهو متفق على توثيقه، ومن رجال صحيح البخاري الذي استمر الحافظ في خدمته وشرحه وترجمة رجاله قرابة ربع قرن من الزمان؟ كل ما في الأمر أن الحافظ في الإصابة أراد أن يقول (... الأسلّمي وهو واه..) فقال واهمًا: (المحاربي وهو واه) . فاستغل الشّيعي هذا الوهم أسوأ الاستغلال، فبدل أن ينبّه أن الوهم ليس في التوهين وإنما في كتب (المحاربي) مكان (الأسلمي) أخذ يوهم القراء عكس ذلك، وهو أن راوي الحديث إنما هو المحاربي الثقة وليس هو الأسلمي الواهي، فهل في صنيعه هذا ما يؤيد من زكاه في ترجمته في أول الكتاب بقوله:
(ومؤلفاته كلها تمتاز بدقة الملاحظة... وأمانة النقل) أين أمانة النقل يا هذا وهو ينقل الحديث من (المستدرك) وهو يرى فيه يحيى بن يعلى موصوفًا بانه (الأسلمي) فيتجاهل ذلك ويستغل خطأ الحافظ ليوهم القراء أنه المحاربي الثقة؟ واين أمانته أيضًا وهو لا ينقل نقد الذهبي والهيثمي للحديث بالأسلمي هذا؟ فضلًا عن أن الذهبي أعله بمن هو أشد ضعفًا من هذا كما رأيت.
ولذلك ضعفه السيوطي في (الجامع الكبير) على قلة عنايته فيه بالتضعيف، فقال: (وهو واهٍ) .
وكذلك وقع في (كنز العمال) رقم (2578) ، ومنه نقل الشّيعي الحديث، دون ان ينقل تضعيفه هذا مع الحديث، فأين الأمانة المزعومة أين؟؟).
ثم نقل الألباني كلام الحافظ في مقدمته للإصابة ثم قال: