وكذلك هذا الحديث: (من سبّ عليًّا فقد سبّني) ففيه فضل لعليّ رضي الله عنه نعم، لكن لم ينفرد هو أيضًا بذلك بل جاء مثله في غيره كثيرين، من ذلك ما روي من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظه: (من سبّ أصحابي فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله) ، أخرجه ابن عدي في (الكامل) (4/1526) ، وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية في (الصارم المسلول) (ص:577) لابن البناء. ومنه أيضًا الحديث الذي رواه ابن سعد (4/151) ، وابن عساكر في (تهذيب تاريخ دمشق) (7/237، 239) ولفظه: (من سبّ العباس فقد سبّني) .
بل قد جاء في بعض الأحاديث التصريح باللعن لمن سبّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مثل ما أخرجه الطبراني في الكبير (12709) عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (من سبّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ، وله شاهد من حديث عويم بن ساعدة عند الحاكم (3/632) ، والطبراني في الكبير (17/132) (رقم 349) ، وأبو نعيم في (الحلية) (2/11) . ومن حديث ابن عمر عند الطبراني أيضًا في الكبير (13588) ، ولفظه: (لعن الله من سبّ أصحابي) ، وغير ذلك كثير.
فبان بهذا عدم اختصاص عليّ رضي الله عنه بهذا الحديث، مع ما له فيه من الفضل العظيم، الذي لا يسع أحدًا إنكاره.
19-حديث سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (من أحبّ عليًّا فقد أحبّني، ومن أبغض عليًّا فقد أبغضني) . أخرجه الحاكم (3/130) وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
قلت: وقد وهما -رحمهما الله- ففي إسناده سعيد بن أوس أبو زيد الأنصاري، وليس هو من رجال الصحيحين أبدًا، وقال عنه الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام. فالإسناد حسن وحسب، لكن الحديث يرتقي إلى درجة الصحة لما له من شواهد، مثل ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أم سلمة رضي الله عنها، وقد حسن إسناده الهيثمي في (المجمع) (9/132) ، وغير ذلك، وأظن الشيخ الألباني قد صححه في (الصحيحة) (1299) فلا أطوله الآن.
لكن هذا الحديث على ما فيه من فضل لعليّ رضي الله عنه، ليس هو مما انفرد به، بل جاء مثله وأكبر منه لغيره، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحبّ الأنصار أحبّه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله) ، وهو حديث صحيح وثابت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد جاء عن عدد من الصحابة، مثل البراء بن عازب، عند ابن ماجه (163) وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال الألباني.. ومثل حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد (2/501، 527) ، وعزاه الهيثمي في (المجمع) (10/39) لأبي يعلى والبزار، وأيضًا من حديث معاوية بن أبي سفيان عند الإمام أحمد (4/96، 100) ، والطبراني في الكبير (19/274-275) وعزاه الهيثمي في (المجمع) (10/39) لأبي يعلى، وفي (الأوسط) أيضًا، ومن حديث الحارث بن زيادة عن الإمام أحمد (4/221) ، وابن حبان (موارد الظمآن) (2291) ، والطبراني في الكبير (3356، 3357، 3358) . وورد الحديث بلفظ: (من أحب الأنصار فبحبّي أحبّهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم) أخرجه الطبراني في الكبير (19/294) (رقم 789) من حديث معاوية بن أبي سفيان، وعزاه الهيثمي في (المجمع) (10/39) للطبراني، ومن حديث أبي هريرة أيضًا، ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن حاتم وهو ثقة، وكذا الأول رجاله رجال الصحيح غير النعمان بن مرة وهو ثقة. وروي هذا اللفظ أيضًا من حديث وائل بن حجر أخرجه الطبراني في الصغير (1143) ، وعزاه الهيثمي في (المجمع) (9/376) للكبير أيضًا. وهذا كله أعظم ما يكون من الفضل للأنصار رضي الله عنهم أجمعين، فهو مستلزم محبة الله ومحبة رسوله أيضًا لمن أحبهم، وبالعكس بغض الله وبغض رسوله لمن أبغضهم، بينما الحديث الذي فيه ذكر عليّ رضي الله عنه فيه محبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقط لمن أحبه وإن كان يتضمن محبة الله له أيضًا لكنه يبقى دون التصريح به كما لا يخفى، وبالعكس لمن أبغضه. ومثل حديث عليّ رضي الله عنه هذا روي الحديث بشأن عمر رضي الله عنه، عند ابن عساكر في (تهذيب تاريخ دمشق) (4/487) ولفظه: (من أحبّ عمر فقد أحبّني...) .